الاكثرية تستجمع قواها وتستعيد انتصارها التاريخي
عبدو شامي
بعد 73 يوماً من التنازل تلو التنازل، وصلت الى حد اهداء انتصار السابع من حزيران التاريخي الى المعارضة، نجحت الاكثرية النيابية بالانتفاض على نفسها واسترجاع ثقتها بنفسها ومعنوياتها، فاستعادت انتصارها التاريخي رافضة الرضوخ لشروط الاقلية ومطالبها التسلطية والابتزازية.
طالبت قوى 8 آذار بحكومة شراكة بحسب مفهومها التعطيلي لها(صيغة 15-10-5 ذات الثلث المعطل المضمر) كتغطية للاستيلاء على السلطة، فكان لها ما ارادت؛ ثم رفعت سقف مطالبها لتطالب بتوزير الراسبين في الانتخابات حفاظاً على زعامة آفلة وإرث عائلي مهدد بالزوال، وأصرت على نيل وزارتي الداخلية والاتصالات للامساك بأمن البلاد واستكمال بناء الشبكات الخاصة الخارجة على الشرعية اللبنانية، فاصطدمت بجدار الاكثرية التي تجرأت على قول "لا" في وجه تلك المطالب التي تهدف الى ضرب مقومات الكيان اللبناني، بما في ذلك تجويف نتائج الانتخابات وافراغ الديموقراطية من مضمونها.
هذا، وقد استغرقت عملية نهوض الاكثرية من كبوتها منتفضة على نفسها لاسترجاع انتصارها، ثلاث مراحل:
1- المرحلة الاولى تمثلت باجتماع نواب الاكثرية في 31 آب2009، الذي ضم 67 نائباً من اصل 71، شارك فيه النائب وليد جنبلاط وكتلته النيابية، وأكدت فيه الاكثرية تماسكها ووحدتها وتضامنها، كما اكدت التفافها حول الرئيس المكلف سعد الحريري، معلنة: "ان انفتاح الاكثرية النيابية على فكرة قيام حكومة وحدة وطنية، لا يعطي اي جهة سياسية حق فرض الشروط على رئيس الجمهورية وعلى الرئيس المكلف، باعتبارهما الجهتين الوحيدتين المخولتين وفقاً للدستور الاتفاق على تشكيل الحكومة والتوقيع على مرسوم تشكيلها".
شكّل هذا الاجتماع رسالة واضحة الى من يهمه الامر في الداخل والخارج، دحضت الاقاويل بأن الاكثرية لم تعد اكثرية خصوصاً بعد التقلبات الجنبلاطية، كما بيّنت الاكثرية للعالم ان الاقلية النيابية تمنعها من ممارسة حقها في حكم البلاد الا بشروطها. وما لبث ان انسحب علو النبرة على الرئيس المكلف، الذي اكد في كلمة القاها في 2/9/2009 ضرورة "ان يكون هناك منطق في تشكيل الحكومة"، معلناً ان "الاقلية ليست هي التي تفرض على الاكثرية شروطها (…) فهذا منطق مرفوض بكل صراحة وبكل وضوح وانا لن اقبل به". وبذلك يكون اجتماع الاكثرية قد ساهم في رفع نبرة الخطاب السياسي لدى الاكثرية النيابية، واكسبها المعنويات العالية والثقة بالنفس، ومهّد للقيام بالخطوة الحساسة التالية.
2- المرحلة الثانية في عملية استرجاع انتصار 7 حزيران، تحققت في 7/9/2009، حيث تقدّم الرئيس المكلف بموجب حقه الدستوري بتشكيلة وزارية ضمن الصيغة المتفق عليها لرئيس الجمهورية، حظيت فيها المعارضة بالوزارات الخدماتية الاساسية كالاشغال والصحة والتربية، الى جانب وزارتي الخارجية والعمل، في ما بدا أنه محاولة جادة لكسر حلقة الشروط والعراقيل والابتزاز ووضع الاقلية امام مسؤولياتها. ومساء، وضع الرئيس المكلف النقاط على الحروف مذكراً بنبرة متشددة لافتة ان:"في البلد أكثرية واحدة لا أكثريتين، وهناك أقلية واحدة، وهناك فخامة الرئيس الذي نحترمه"، وأنه "بعد 70 يوماً من المشاورات، بعضها كان مناورات والبعض الآخر محاورات، ومنها أيضاً كلام من البعض له معنى وكلام ليس له معنى، نحن مسؤولون أمام اللبنانيين ونحن مسؤولون أيضاً عن 70 يوماً من الفرص الضائعة".
لم تشبع تلك الحصة الدسمة جشع المعارضة، فرفض فريق 8 آذار التشكيلة المقترحة متمسكاً بمطالبه التعجيزية. لكن هذه الخطوة الجريئة من الرئيس المكلف كانت كافية لوضع المعارضة في مأزق، كشف تبعيتها المطلقة لمحاور خارجية وامعانها في التعطيل مع رفضها التشكيلة المقترحة.
وعلى الرغم من تنازل فريق الاكثرية عن الثلثين، ثم عن النصف زائدا واحدا، وعن حقه بالحقائب السيادية اكثر من الفريق المعارض، وتنازله عن اهم الحقائب الخدماتية واعطائها لـ"التيار الوطني الحر"، خرج علينا امين عام حزب ولاية الفقيه حسن نصر الله في 7/9/2009 بمغالطات شنيعة وقلب للحقائق، فقال رداً على تقدم الحريري بالتشكيلة الحكومية:"هناك مسؤولية كبيرة تقع على رئيس الجمهورية، لأنه في الحد الادنى هذه الطريقة التي استخدمت لتشكيل الحكومة لا تخدم التشكيل انما تعقده، فالامور تعالج بالحوار وتقديم التنازلات من الطرفين، وعلى مسؤوليتي الشخصية اقول: ان الطرف الآخر لم يقدم اي تنازلات على الاطلاق، وكأن المطلوب التنازل من المعارضة فقط وهذا غير منطقي، فالمطلوب التنازل من الجميع". نعم، ربما كان قائد المعارضة الفعلي صادقا في جزء من ادعائه، فالمعارضة قدمت تنازلات كبيرة بامتناعها مؤقتاً عن ممارسة هوايتها بافتعال الاضطرابات واراقة الدماء البريئة في الشوارع كلما اصطدمت بجدار الاكثرية، وان كانت استبقت بدء الرئيس المكلف مشاوراته مع الكتل النيابية بحوادث عائشة بكار الدامية في 28 حزيران الماضي.
اما الجنرال عون فرد في اليوم نفسه قائلاً: "لا يمكن القبول بوزارات مرفوضة"، مطالباً "جميع الوزراء الذين ستتم تسميتهم من حصة تكتل "التغيير والاصلاح" المبادرة بالاستقالة الفورية من اية حكومة تصدر بأسمائهم".
3- اما المرحلة الثالثة والاخيرة في استعادة الانتصار، فقد مهّد لها الرئيس المكلف في 9/9/2009 قائلاً: "خلال اليومين او الايام الثلاثة المقبلة، سأقوم بخطوات عدة لمصلحة البلاد. لدي صلاحيات وسأمارسها. نحن علينا مسؤولية هذه البلاد، ولا نخاف الا الله سبحانه وتعالى. وأود ان اؤكد لكم انني في ما يتعلق بالثوابت عنيد ولا اتزحزح عن الامور الاساسية التي تخص لبنان وسيادته واستقلاله، ولا عن الصلاحيات التي اعطاها الدستور الى الرئيس المكلف. كل هذه الامور لن اتخلى عنها، لانها ليست ملكاً لي بل ملك وحق لكل اللبنانيين".
وفي العاشر من ايلول، بعد 73 يوما على اجرائه "جولات وجولات من المشاورات كانت تنتهي دائما الى وجود تعطيل في مكان ما، والى المراوحة في طرح شروط تستهدف بشكل أو بآخر إلغاء نتائج الانتخابات أو تسخيفها"، فعلها الرئيس الحريري، فقدم اعتذاره عن تشكيل الحكومة لرئيس الجمهورية معيدا الامور الى نقطة الصفر، ومسترجعاً انتصار الاكثرية في الانتخابات النيابية، اذا ما استثنينا النقطة السوداء المتمثلة باعادة انتخاب الرئيس نبيه بري لرئاسة مجلس النواب.
فبعد أن تبيّن له "أن لا نيّة لدى البعض للتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، والخروج من حال المراوحة في الشروط التعجيزية"، أعلن الرئيس المكلف سعد الحريري اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة مؤكدّاً أنه لن يقبل "أن تتحول رئاسة الجمهورية أو الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة إلى مجرّد صندوقة بريد نتسلّم من خلالها مراسيم تسمية الوزراء الآتية من الأندية والأروقة السياسية". ومساء، اعلن الحريري من قريطم أنّ "الأكثرية لا زالت أكثرية، وهي التي تقرّر من هو الرئيس الذي سيكلّف تشكيل الحكومة المقبلة، ومهما فعلوا فالأكثرية تبقى أكثرية"، مضيفاً: "نحن نعرف إلى أي مدى يجب أن نضحي، وكم من التضحيات يجب أن نقدّم. هناك مكان ما يجب أن نتوقف عنده عن تقديم التضحيات، ومن هذا المنطلق قدمت اعتذاري اليوم الى رئيس الجمهورية ومارست بذلك حقي الدستوري بالاعتذار".
اعتذار الرئيس المكلف لم يكن ضربة لمستقبله السياسي ولا لقوى 14آذار كما خطط اخصامهم، بل كان "ضربة معلم"، وجاء من موقع قوة وتفهم من قبل جمهور الاكثرية، فكشف المستور واسترجع الانتصار وجدد الثقة الشعبية والوطنية بالرئيس المكلف، وقلب الطاولة على المعارضة، كما فتح المجال امام طي صفحة التنازلات المجحفة واعادة النظر في صيغة الحكومة وشكلها وتوازناتها، اذ من الصعب ان ينال الفريق المعارض في التشكيلة التالية اكثر مما ناله في التشكيلة السابقة التي حصل فيها على الحد الاقصى من التنازلات؛ وربما نتج عن هذا الاعتذار الذهاب الى حكومة تكنوقراط، او الى اي شكل آخر غير الشكل الحالي الملغوم بالثلث القاتل.
والمتتبع لخطوات وتوقيت انتفاضة الاكثرية على نفسها، يلاحظ أن الاكثرية والرئيس المكلف انتظرا ليقولا كلمة "لا" في وجه ابتزاز المعارضة الى انتهاء موسم الاصطياف لتمريره بسلام وتحقيق اكبر نسبة نمو اقتصادي ممكنة، لعلمهم المسبق ان عنادهم كان سيجلب حوادث امنية تعكر ذلك الموسم المهم للاقتصاد اللبناني. ويبدو ان المعارضة فهمت خطة الاكثرية فردت في اليوم التالي على الاعتذار في 11/9/2009 بإطلاق ثلاثة صواريخ " مجهولة الهوية" كالعادة، من سهل القليلة جنوبي مدينة صور باتجاه الشمال الفلسطيني، سقطت في منطقة نهاريا، أعقبها سقوط قذائف اسرائيلية على المنطقة؛ وشكل ذلك التوتر الامني رسالة جديدة من فريق المعارضة الى قوى الاكثرية، مفادها ان بامكانه اشعال الجبهة في اي وقت واعادة البلاد اعواماً عديدة الى الوراء، وليس فقط تبخير موسم
الاصطياف، اذا ما اصرت الاكثرية على عنادها وتمسكها بثوابتها.
هنيئاً للاكثرية وقوى 14 آذار استرجاعهما الانتصار التاريخي في الانتخابات النيابية، مع تمنياتنا بالمحافظة عليه هذه المرة، وان تبقى الاكثرية كما عهدناها متمتعة بعلو النبرة في الخطاب السياسي والثقة القوية بالنفس، فدرب الحرية والسيادة والاستقلال لايزال طويلا، والتحديات لن تخلو من المخاطر.