#adsense

المفهوم الدستوري لصلاحيات التأليف

حجم الخط

المفهوم الدستوري لصلاحيات التأليف
المحامي جورج ابو صعب

ان اهم ما يميز النص الدستوري كما النص القانوني عامة هو في انه للعبارات والكلمات معانيها ومفاعيلها ونتائجها الدقيقة التي لا يرقى اليها اي مجال لتأويل او تفسير سياسي من هنا وهناك .

ففي العلم الدستوري كما للاعراف الدستورية المكملة والمبادئ الدستورية الثابتة للمفهوم تفسير واحد كما للقاعدة تفسير واحد – فاذا اردنا الكلام بالدستور وعن التقيد بالدستور وعن احترام الدستور فان البعض من قوى المعارضة ان لم نقل كلهم مدعو الى مراجعة النصوص والمبادئ الدستورية والاستعانة بمستشارين دستوريين وقانونيين قبل اطلاق المواقف الجوفاء والدالة على ابتعادهم عن نص وروح الدستور .

فقد نصت المادة ( 64) من الدستور في فقرتها (2) وفي اطار الصلاحيات المنوطة برئيس مجلس الوزراء تحديدا – على ان الرئيس " يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها … فيما نص المادة ( 53) الفقرة (4) تنص على صلاحية رئيس الجمهورية في " اصدار بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة …

فهذين النصين الدستوريين ينطويان على فكرة التنسيق والتعاون بين الرئيسين في اصدار تشكيلة الحكومة بعد الاستشارات التي يكون رئيس مجلس الوزراء ( اي الرئيس المكلف في مرحلة اولى ) قد قام بها – وبالتالي وانطلاقا من هذه القاعدة نسجل الملاحظات التالية :

اولا : بالنظر الى مبدا مسؤولية الحكومة امام البرلمان كما هو الحال في النظام البرلماني اللبناني – فان تشكيل الحكومة او الوزارة هو في صميم النظام المذكور وقد اعتمده لبنان في مقدمة دستوره- الفقرة (ج) – باشارتها بوضوح الى أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية – فكما ان اختيار رئيس الحكومة من قبل رئيس الدولة يقع على رئيس حزب الاكثرية او تكتلات الاكثرية النيابية التي تفرزها الانتخابات النيابية او على الاقل لاحد زعماء هذه الاكثرية من الطائفة السنية بعد قيام رئيس الدولة باستشارات برلمانية ملزمة مع كافة الكتل النيابية في المجلس النيابي – ليقع اختيار رئيس الدولة بالنهاية على من تكون الاستشارات في اغلبيتها قد دلت عليه ليرأس الوزارة العتيدة – فكذلك يكون لرئيس الحكومة العتيد او الرئيس المكلف ان يشكل حكومته اي فريق عمله خاصة وان الدستور قد اناط بحكومته مجتمعة السلطة الاجرائية كما نصت عليه المادة (65) من الدستور .

ثانيا : ان عملية تأليف الحكومة من قبل الرئيس المكلف ( رئيس الوزراء العتيد ) هي عملية ذات طابع ومضمون اختياري : فالرئيس المكلف يختار الوزراء بالاتفاق مع رئيس الجمهورية وليس بالاتفاق مع الكتل النيابية والقوى السياسية وهذا ما يدل عليه النص الصريح في الدستور بالاشارة في المادة (53) الفقرة (4) الى اصدار رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة – لان رئيس الجمهورية في النظام البرلماني لا يستطيع العمل بمفرده لانه غير مسؤول دستوريا – وبالتالي فان الوزارة هي التي تملك دستوريا السلطة والصلاحيات الفعلية في ادارة الدولة والبلاد ولذا عليه الاتفاق مع من سيتولى السلطة الاجرائية الفعلية اي الرئيس المكلف على تشكيلة الحكومة ليصدرها بالاتفاق معه في مرسوم – وهذا ما يؤكده الفقه الدستوري ( JULIEN LAFERRIERE – DROIT CONSTITUTIONNEL ET INSTITUTIONS POLITIQUES – PP. 790-791 ) – فالحكومة المسؤولة هي صاحبة السلطة استنادا للمبدأ الدستوري : " حيث المسؤولية تكون السلطة "LA OU EST LA RESPONSABILITE LA EST LE POUVOIR .

ثالثا : اذا فان الرئيس المكلف ليس مقيدا بصراحة النص الدستوري الا بالاتفاق مع رئيس الجمهورية في اتمام التشكيلة واصدارها – فلو اراد المشرع الدستوري تقييد الرئيس المكلف بقيد اخر كتقييده باستشاراته للتأليف باراء وارادة القوى والكتل التي يستشيرها لما نص الدستور صراحة على ذلك – ولما حصر النص الاتفاق بين الرئيسين دون اي احد اخر – فالنص الدستوري لا يحتمل التأويل والتفسير والاجتهاد لانه واضح وصريح ودقيق .

ونشير في هذا السياق الى ان عملية الاختيار للوزراء تجري عرفا من خلال عرض عدة اسماء من قبل كل تكتل او حزب او كتلة نيابية على الرئيس المكلف كي يستطيع الاطلاع بدوره في اختيار من يراه الانسب للوزارة – فعبارة " الاختيار : الواردة في الدستور والمكرسة في الفقه الدستوري خير دليل على وجوب ان يعرض على الرئيس المكلف كما على رئيس الجمهورية اسماء لتوزيرها اذ لو كان فرض الاسماء على الرئيسين هو القاعدة الدستورية لما ذكر النص الواضح عبارة " الاختيار " – فالاختيار يفترض وجود خيارات اي وجود تشكيلة من الاسماء التي يستطيع كلا الرئيسين الاتفاق على اختيار منها ما يلائم الحكومة العتيدة .

رابعا : ان الاساس الدستوري لمنح الرئيس المكلف سلطة تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الدولة يجد جذوره ليس فقط في النص بل وايضا في الفقه الدستوري – فالرئيس المكلف الذي يصبح رئيس حكومة يرأس الحكومة ويعمل على تنفيذ السياسة العامة للدولة عبر الوزارات المختلفة – وهو رئيس الاكثرية البرلمانية او الائتلاف البرلماني وله تأثيره على تلك الاكثرية التي يديرها من حيث حملها على الاطلاع بمسؤوليات الحكم او على مشاركته في التصدي للمشكلات السياسية والحكومية العامة – وهذا ما يؤكده الفقه الدستوري ( H.HAIKAL – LA PRESIDENCE DU CONSEIL ET L”EVOLUTION DU PARLEMENTARISME EN FRANCE – 1938 – PP. 300 ET SUIV.)

وقد جاء الدستور اللبناني من رحم الجمهورية الثالثة في فرنسا ليؤكد في صيغته المعدلة مع الطائف – على ان رئيس مجلس الوزراء "يرأس مجلس الوزراء … يعتبر مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة … يطرح سياسة الحكومة العامة امام مجلس النواب … يوقع مع رئيس الدولة جميع المراسيم … يتابع اعمال الادارات والمؤسسات العامة وينسق بين الوزراء ويعطي التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل … يعقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة بحضور الوزير المختص …

فكل هذه الصلاحيات الرئاسية لمجلس الوزراء تجعل من رئيس مجلس الوزراء شخصا بحاجة الى فريق عمل متجانس ومتحد حول برنامج الاكثرية – وبالتالي فان الدستور يعطيه الحق باختيار اعضاء فريق عمله الحكومي انطلاقا من دوره وموقعه وصلاحياته الدستورية لان الحكومة هي صاحبة السلطة الاجرائية وهو رئيسها .

فالسلطة الاساسية المعطاة لرئيس مجلس الوزراء في اختيار اعضاء حكومته لا ينافسه عليها احد – على ان رئيس الجمهورية الذي يلزم دستوريا بتسمية رئيس مجلس الوزراء منفردا بناء على استشارات برلمانية ملزمة يتفق مع الرئيس المكلف على اصدار التشكيلة الحكومية بعد اختيار حر لاعضاء الحكومة وليس فرضا لاسماء او شروط على الرئيس المكلف استنادا لمبدأ مسؤولية الحكومة في النظام البرلماني وما يستتبع ذلك من تقييد لرئيس الجمهورية في سلطة اختيار رئيس مجلس الوزراء ومن حق لرئيس مجلس الوزراء في اختيار زملائه ( الدكتور ابراهيم شيحا – النظم السياسية والقانون الدستوري – منشأة المعارف – 2000 ) .

وعليه فانه لا يحق لاي طرف سياسي ان يفرض على الرئيس المكلف دستوريا اي اسماء او حقائب وزارية – لان هذا الحق في الاختيار معطى دستوريا للرئيس المكلف بالتنسيق والاتفاق مع رئيس الجمهورية – وهذا ما ينص عليه الدستور صراحة – فلا بد من الاحتكام الى الدستور اذا اراد البعض فعلا مصلحة لبنان واللبنانيين – لكن وكما يقول المثال الفرنسي : " ما اسوأ من اطرش الا الذي لا يريد السمع " .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل