أبعد من فوهات البنادق
كانت خطبة السيد حسن نصرالله ليل الجمعة الفائت ايجابية وسلبية. ايجابية لانها تضمنت دعوات الى التهدئة والتنبه لأخطار الانزلاق في التحريض المذهبي وكذلك الاعلان عن الاستعداد لمزيد من الحوار في الشأن الحكومي. وسلبية لانه بدا بوضوح ان السيد لا يستعجل تأليف الحكومة للخروج من الأزمة. وهو الجهة المعنية بمنع قيام الحكومة باعتباره كفيلاً بوضع نهاية لأحلام ملحقه المسيحي، وخصوصا أنه غذاها في الاصل. والسلبية ايضا ان يضع نصرالله نفسه ضمن محور اقليمي تتزعمه ايران، وان يلقي دروسا في الازمة اليمنية، وهو العارف أكثر من غيره أن أحد أهم أوجه الازمة يتعلق بالتدخل الايراني المباشر فيها لتأجيج الصراع، وذلك في سياق السياسات الايرانية التي تهدف الى ايجاد بؤر توتر امنية وسياسية داخل الكيانات العربية، من لبنان الى فلسطين المحتلة الى مصر والاردن والعراق واليمن، وصولا الى دول المغرب الثلاث. ولا نستثني الجهد المنهجي في عمق الجاليات العربية المغربية في اوروبا. وثمة معلومات تفيد بان "حزب الله" ليس غريبا عما يحصل في اليمن تحديدا.
ولا يهدف ما تقدم الى ابراز السلبيات، وهي أصلا تحتاج الى من يبرزها. ولكن الحديث عن التأجيج المذهبي كلام جيد، ويحتاج الى تدقيق. ونحن لا ننكر ان الاستقطابات المذهبية الحادة عادت الى كل الساحات، بما فيها الساحة الدرزية التي يعمل النائب وليد جنبلاط على ضبطها في اطار تموضعه الجديد، وهو العارف كما "حزب الله" ان مصالحات الدنيا كلها لن تنسي أهل الجبل غزوات أيار 2008، كما لا تخفف اطلاقاً من هذا الشعور الكبير والدائم بالتهديد المسلح القائم على تخوم بيوتهم وقراهم. وإذا كان السيد حسن نصرالله يؤكد ان الحقن المذهبي سلاح ذو حدين، وهو محق تماما، فما العمل لتفكيك الالغام؟ هل يكون الامر بإستمرار احتلال العاصمة بيروت، وحجب جزء من التغطية عن ممثل سنة لبنان المسمى لترؤس الحكومة ؟ وهل يكون الامر بامتلاك اجندة خارجية غير مقبولة تارة لبنانيا، من الخليج واليمن الى المغرب العربي؟ انها اسئلة صريحة يوجهها كل لبناني من خارج نادي السياسيين. اسئلة بسيطة ومباشرة تنتظر اجوبة لا ذرائع التهديد الاسرائيلي التي ما عادت تقنع بعد حرب تموز 2006 التي تورط فيها "حزب الله" وورط معه لبنان واللبنانيين !
ان حماية لبنان من شر تأجيج نار الغرائز المذهبية يحتاج الى عمل جدي يبدأ بإزالة اسباب الخوف التي يغذيها واقع "حزب الله". فلا المصالحات الفوقية ولا التكاذب توقف الانحدار نحو الاسوأ. وحده تغيير جذري يقوم به "حزب الله" في تعامله مع الداخل اللبناني من خلال فك ارتباطه بالاجندات الخارجية وتسهيل تحييد لبنان عن صراعات المنطقة في جانبها المسلح، والشروع في عملية نزع حقيقية لسلاحه ليصبح حزبا سياسيا اسوة ببقية القوى السياسية في البلد، يمكن ان يفرمل اندفاع لبنان نحو الهاوية.
فإذا كانت التهدئة الداخلية مطلوبة، وهي مطلوبة حقا وحقيقة، فإن اسباب الانفجار وعوامله ما فتئت تتراكم. وخوف فئات عريضة من اللبنانيين اليوم من غلبة السلاح هو نفسه سلاح ذو حدين.
هذه رسالة صريحة يوم العيد الفطر السعيد الذي نتمناه مصدر إلهام و مادة تفكير لمن يأبون النظر الى ابعد من فوهات بنادقهم.