المعارضة تحاول احتواء امتناعها عن تسمية الحريري بإشاعة التهدئة
شروط متوقعة للقوى المسيحية تفاقم التعقيدات في مسار التكليف الثاني
على رغم اقتناع كل القوى السياسية بأن مرحلة التكليف الثاني للنائب سعد الحريري قد تكون أطول من مرحلة التكليف الاولى، بمعنى صعوبة التوصل بسرعة الى اتفاق يوفّر الولادة الحكومية، فان المعطيات التي برزت في الايام التي تلت تكليف الحريري أوحت تبديلاً ملحوظاً للمناخ السياسي، انما نحو تغليب الطابع الايجابي لا السلبي، بحيث يمكن التأسيس على هذا المناخ منطلقاً لمرحلة التفاوض المقبلة بين الحريري والمعارضة. ومعلوم ان مؤشرين يكتسبان دلالة برزا في الايام الاخيرة يمكن الاعتداد بهما في هذا السياق اذا صفت نيات المعارضة ولم تكن مناورة او محاولة لرمي كرة المسؤولية وعدم الرغبة في تأليف الحكومة على عاتق الفريق الآخر. المؤشر الاول ظهر في سعي المعارضة الى استيعاب الاصداء والمضاعفات السلبية التي اثارها امتناعها عن تسمية الحريري في الاستشارات او حتى اي شخصية اخرى، فيما هي تطالب الآخرين بحكومة وحدة وبالشراكة الوطنية، وهو امتناع أخذ هذه المرة طابع مقاطعة الموقع اكثر من الشخص نفسه، أي رئاسة الحكومة، الامر الذي عرّض المعارضة لانتقادات من ضمن خطها، واثار مخاوف من سلوك مذهبي ستتحمل مسؤوليته اذا وظّف الامر سياسيا. ومحاولة الاستيعاب هذه برزت في الاصرار على اعلان مواقف تؤكد انها ستتعاون مع الرئيس المكلف في تأليف الحكومة، تعويضا لامتناعها عن تسميته. وثمة من رأى في هذين الموقفين دلالة على طغيان العامل الاقليمي في موقف المعارضة على العامل الداخلي، أي ان المعارضة ناهضت مصالحها المباشرة في عدم التسبب بأي توتير حين امتنعت عن التسمية، وهذا ما لم يكن سوى اثبات لاندفاع العامل الاقليمي وراء هذا الموقف وفق ما رأى كثر.
اما المؤشر الثاني فيتمثل في التشديد على التهدئة السياسية والامنية في المرحلة المقبلة وقد ظهر في شكل خاص في كلمة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله لمناسبة "يوم القدس". وترك هذا الموقف انطباعات ايجابية لدى فريق الغالبية فرسم سقفا عاجلا لكل المخاوف التي سادت من امكان عودة التوتر ذي الطابع المذهبي او الامني عقب ما تركه امتناع المعارضة عن التسمية من اجواء تحد. ولعل الاهم في كلمة السيد نصرالله، على ما قرأه كثر، هو اشارته الى "اننا كلنا جربنا والكل يخسر بحصول اي توتر"، مما يعني انه يضع حدا ضمنيا للقلق من احتمال تجدد حوادث مماثلة لـ7 ايار في اطار الحض او الدفع نحو "لقاء دوحة ثان" وان الوضع الحالي، وإن طال من دون حكومة، فانه لن يتردى او يصبح سيئا. وهذه اشارة ضمنية اخرى الى ان الحزب يمكن ان يتكيف مع الوضع الراهن من دون حكومة لوقت طويل، اذا لم تكن هناك تداعيات لتطور ما يسلط الضوء مجددا على امور لا يود الحزب ان يعرّضها للضوء كما هي الحال بالنسبة الى سلاحه.
وتفيد معطيات ان المعارضة تحاول عبر هذه المواقف وسواها اعادة الحريري الى الصيغة الحكومية التي طرحت قبل اعتذاره عن التأليف واعادة تكليفه، اي صيغة 15-10-5. بل انها تسعى الى تفعيل المخارج التي طرحت قبل ان يقدم الحريري اعتذاره وبعد تقديمه التشكيلة الحكومية الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مع بعض الاضافات التفصيلية التي تعتبر انها تحفظ ماء الوجه للجميع، من دون مكاسب كلية او خسارة كلية لاي من الطرفين اي الاكثرية والمعارضة، على اساس اعادة توزير الوزير جبران باسيل الذي يطالب به العماد عون لوزارة الاتصالات مجددا، ولكن في مقابل الا تعطى الاتصالات لـ"التيار الوطني" فيكون باسيل اما وزير دولة واما وزيرا لحقيبة أخرى غير الاتصالات، انطلاقا من وضع عون جدولا او لائحة بالاسماء التي يرغب في توزيرها غير تلك التي طرحها الحريري واعتبر عون انها فرضت عليه، بحيث يستطيع الحريري ان يختار وزراء من هذه اللائحة وان يحدد كذلك او يطرح اولوية وزارات الخدمات التي يسعى الى الحصول عليها، ويترك للرئيس المكلف مجالا للتوفيق بين مختلف المطالب من كل الافرقاء، ولا يتم الاصرار على حقائب محددة دون سواها بل يؤخذ من بين الحقائب الوزارية المقترحة.
هذه الاقتراحات تصطدم بواقع أن الحريري رسم خطوطا في اعتذاره يصعب عليه القفز فوقها، وخصوصا حين تعتبر المعارضة او جزء منها ان توزير باسيل سيتم رغما عن الرئيس المكلف تحت طائلة عدم تمكينه من تأليف الحكومة لاشهر طويلة. وقد تحول توزير باسيل مشكلة في ذاتها بابعاد متعددة يصعب تخطّيها، ولا تتعلق فقط بالرئيس المكلف وما يناله شخصيا في حال مساومته على هذا الامر بعد التحديد القاسي للسقوف السياسية، اذ اكتسب هذا الامر بُعداً آخر وخصوصا بعد دخول البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير على خط دعم الاتجاه الى احترام الرأي العام في الانتخابات النيابية واختيار شخصيات معينة لتمثيل الناس على المستوى السياسي. وهذا الموقف كرره على رغم مهاجمة العماد ميشال عون له، وقال وهو في المطار في طريقه الى روما ان الامر يرتبط باصحاب القرار في هذا الشأن. لكن موقفه كان واضحا ولا يمكن تجاهله، بمعنى أنه يحرج الحريري في حال تساهله ازاء هذا الامر. علما ان هذا الموقف لرأس الكنيسة المارونية يدعمه في العمق. اضف الى ذلك ان هناك توقعات بصعوبات يواجهها الحريري مصدرها حلفاؤه المسيحيون في قوى 14 اذار، على غير ما كانت الحال ابان المشاورات السابقة في السعي الى تأليف الحكومة. والواقع ان هذه القوى التي ترفض بقوة توزير الراسبين من حصة الموارنة، اي على حسابها، لم تكن مرتاحة على الاطلاق الى التشكيلة الحكومية ولا الى الحصص التي أعطيت، باعتبار انه ليس طبيعيا ان يُعطى الفريق المسيحي في المعارضة التي لم تفز بالاكثرية النيابية حصة الاسد، ويتم التعامل معه على أنه الشريك في حكومة الوحدة الوطنية، في حين أن الفريق المسيحي المتحالف مع الاكثرية التي فازت في الانتخابات يُعطى حصصا هامشية قياسا بما يأخذه عون من حيث نوعية الحقائب على الاقل. ويتوقع مطلعون كثر ان يلجأ هؤلاء الى خطوة استباقية هذه المرة تتمثل في الاصرار على حصة مختلفة لجهة الحقائب على الاقل، وسيضغطون بدورهم على الرئيس المكلف على نحو لا يستبعد ان يشبه الى حد بعيد الظروف التي واجهها الرئيس فؤاد السنيورة باعتبار ان تأليف الحكومة التي تصرف الاعمال راهنا يراوح بين التفاوض مع عون حول حصته والذي استغرق شهرا، والتفاوض مع القوى المسيحية في قوى 14 آذار، والذي استغرق شهرا آخر ايضا قبل ان تولد الحكومة. مما يعني ان القطوع الذي لم تواجهه التشكيلة الحكومية التي قدمها الحريري الى سليمان سيجد طريقا له في المشاورات حول التشكيلة الحكومية التي سيتم العمل عليها في المرحلة المقبلة على ما ترجح مصادر سياسية معنية.
فكيف تتم مقاربة هذه التعقيدات مجددا؟