عمامة خاتمي
عندما تسقط عمامة الرئيس الايراني الأسبق محمد خاتمي في احد شوارع طهران في "يوم القدس العالمي"، تسقط في الوقت نفسه مشروعية النظام الايراني المتشدد الذي ضاق ذرعاً حتى بكبار رجالاته الذين يمثلهم الرئيس خاتمي أصدق تمثيل. اما في لبنان، فكان في منتهى الغرابة الا تهتز شعرة عند من يجب ان يعنيهم الأمر من قادة سياسيين ودينيين في الطائفة الشيعية فكأن الامر حدث في دولة افريقية او اميركية جنوبية وليس في بلد يمسك زعماؤه بزمام المبادرة في مصير المنطقة ولاسيما لبنان وفلسطين.
انه الرئيس خاتمي الذي اطل في 13 ايار 2003 على مئات الألوف من اللبنانيين في المدينة الرياضية يبث الامل في لبنان، "بلداً تأخذ الارض فيه صورة سماوية" كما قال، وليعطي ايران الخارجة من ركام الحروب والتصفيات صورة نقية على مثال الرئيس الايراني آنذاك بطل "حوار الحضارات والثقافات". فهل يعقل ان الذين استقبلوه قبل 6 أعوام قد نسوه؟
عندما أطل الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من شاشة عملاقة في مهرجان "يوم القدس" في الضاحية الجنوبية لبيروت اول من امس، كان على علم بما جرى قبل ساعات في طهران. لكنه لم يأت على ذكره بشيء. لا بل قال شيئاً آخر هو ان "ايران خرجت اليوم في كل مدنها وشوارعها (…) لتقول نحن مع القدس وفلسطين ولبنان وغزة". هو لم يتجاهل فقط ما جرى للاصلاحيين على يد اجهزة النظام، بل تجاهل ايضاً وناقض ما قاله ألوف الايرانيين من ان "لا غزة ولا لبنان، نستشهد من اجل ايران".
ان ما يجري في ايران اليوم هو شأن لبناني بامتياز ما دام زعيم المعارضة اللبنانية، اي "حزب الله"، هو على مثال من يحكم الجمهورية الاسلامية ويريد ان يفرض نسخته على مصير هذا الوطن. فها هو، ويا للغرابة، مرة اخرى يدعو الى الهدوء الكامل في تأليف حكومة حان استحقاقها بعد 7 حزيران الماضي حيث جرت الانتخابات النيابية لكنه يبدو في حماسة كاملة للذهاب الى ان "يدمّر ويسحق ويشتت ويضيّع فلول" نصف جيش اسرائيل! وحده لبنان وغزة عليهما مهمة "إزالة اسرائيل من الوجود". اما النظام السوري الذي بعث بسفيره الى المهرجان فأنصت باعجاب الى السيد نصرالله يقول ان سوريا "مش فاتحة جبهة صح (…) انما هذا نظام لديه جيش ولديه حكومة وعنده بنية تحتية وعنده اقتصاد وعنده علاقات وصمد". يا لروعة هذه الاوصاف التي تجعل حكام دمشق معفيين من قتال اسرائيل وهي اوصاف لو دقق فيها زعيم "حزب الله" لوجد انها تنطبق ايضاً على وطنه الذي منحه ومنح سائر بنيه هبة ثمينة لا وجود لها في هذه المنطقة، هي الحرية. ولكن من بين هذه الاوصاف يتحدث نصرالله عن "حكومة" بفضل ممانعته مع سائر الاقلية النيابية لم تبصر النور بعد وهذا امر لا مثيل له في المنطقة والعالم. وأحدث مثال هو ما يجري في ايران حيث تحرم المعارضة ليس من "الثلث المعطل" في الحكومة بل من حق الوصول الى الشارع حيث الضرب والاعتقال والموت احياناً. اما في عاصمة "الصمود" المجاورة فلا شيء اسمه معارضة لأنها أخمدت انفاسها منذ زمن بعيد.
تحية من مئات الألوف الذين احتشدوا في 13 أيار 2003 الى رمز الاحرار في ايران السيد محمد خاتمي وسائر رفاقه الشجعان الذين يبعثون الامل في ان تاريخ 8 آذار 2005 هو استثناء في تاريخ لبنان. فهم يؤكدون ان الشعوب لا يمكن ان تبقى في قبضة المتسلطين مهما علت اصواتهم. وهذا ما كان لبنان ولا يزال مفطوراً عليه. وبكل تأكيد ان الامام موسى الصدر الذي اسقطت عمامته في ليبيا في 31 آب 1978 كانت لتسقط في طهران بالأمس لو جاهر بما يجاهر به اليوم احرار ايران. ولذا يجب اعتبار 18 ايلول 2009 "يوم طهران" الذي يبعث الأمل مجدداً في مستقبل هذه المنطقة.