حكومة الحريري بين مزاجية عون ومخطط "حزب الله"
من يقرأ تاريخ لبنان، من الإمارة حتى يومنا هذا، يستطيع أن يفهم كيف يتداخل تأثير «الخارج» مع هواجس «الداخل»، وفي بعض الأحيان مع خصوصيات وشخصيات قيادات وأشخاص، لينتج معادلة حكم شديدة التعقيد والدقة، تبدأ من تعيين مختار حيّ في أي بلدة، لتصل إلى المشهد الدولي وأحجام كلّ دولة في النطام العالمي السائد.
يصور الأديب اللبناني الفرنكوفوني أمين معلوف في رائعته «صخرة طانيوس»، كيف أن بعض النزاعات الشخصية وأمزجة بعض القادة، تتحول إلى ثغرة يمرّ عبرها الخارج إلى المعادلة الداخلية. إحدى شخصيات رواية معلوف هو شيخ مسيحي ماروني أرسل نجله إلى مدرسة إنكليزية بروتستانتية في منتصف القرن الثامن عشر، لأنه كان على خلاف شخصي مع البطريرك الماروني. في سياق درامي للأحداث، شكّلت هذه الواقعة الشخصية وتداعياتها العامة، موطء قدم للحضور الإنكليزي في جبل لبنان، ولاحقاً موطئا لمجابهة إنكلّترا البروتستانتية للحملة المصرية المدعومة من فرنسا الكاثوليكية على بلاد الشام.
في أيامنا، أمزجة بعض القيادات، لاتزال عاملا مؤثرا في الصراعات الداخلية، التي تستجلب دوما دعما خارجيا، بخاصة أن طريقة مبايعة «الزعيم» وشخصيته، والإخلاص العصبوي الذي يلاقيه من أتباعه، لاتزال كلّها على حالها منذ قرون، كما أن الأقليات المذهبية التي تحتاج دائماً إلى حماية خارجية لاتزال المحرك الأول والأخير للمجتمع والسياسة.
أكثر مَن يمثل استغلال الخارج مزاج «الزعيم» للعبور إلى الداخل، هو ميشال عون. فمزاج عون المتفلت من أي خضوع للشروط الموضوعية، والذي قاده إلى شن «حرب التحرير» ضد سوريا و«حرب الإلغاء» ضد حزب القوات اللبنانية، خارج كلّ السياقات الإقليمية والدولية، كان البوابة لإرساء معادلة اتفاق الطائف برعاية الولايات المتحدة والسعودية وسورية.
مرة أخرى، لعبت مزاجية عون دورا أساسيا في خروجه من تحالف 14 آذار، ولاحقا في تحالفه «الشاذ» مع حزب الله، وبعدها في زيارته إلى سوريا التي عزفت بخفة على وتر فردية الجنرال فرسّمته زعيماً لمسيحيي الشرق، مرورا بكلّ خياراته خلال السنوات الأربع الماضية، وصولاً إلى أزمة تأليف الحكومة الحالية، إذ تُشكّل مطالبه التعجيزية، وتمسّكه بتوزير صهره، وطريقة تعاطيه مع هذه القضية الوطنية، أمثلة فاضحة على مزاجيته.
هذه المزاجية ليست طارئة على عون وتياره، بل هي سمة بنيوية في شخصية «الزعيم» وفي هيكلية التيار الذي سُمّي في الأساس على اسم قائده (التيار العوني أو العونيين)، وأُعيد تسميته «التيار الوطني الحرّ» لضرورات شكلية ليس إلا.
فالبنية الفكرية للتيار العوني، التي تنتظر الكتاب البرتقالي الذي سيخطه «الزعيم» على شاكلة كتاب القذافي الأخضر لتكتمل، هي باقة من الأفكار والشعارات التي كان يستخدمها اليمين المسيحي، منها مواجهة توطين الفلسطينيين وتحسين حقوق «المجتمع المسيحي»، مضافاً إليها بعض التنويعات اليسارية مثل إصلاح الإدارات الحكومية ومكافحة الفساد والعلمانية، وهي كلّها شعارات شعبوية صالحة لاستقطاب الجماهير في لبنان في كلّ زمان، وهي مفرغة من مضمونها، وقابلة للتأويل، لتبقى الكلمة الفصل للزعيم ومزاجه.
إذا أخذنا في الاعتبار كلّ ما ورد، يمكننا فهم موقف عون من أزمة تشكيل الحكومة الحالية. هي مسألة مزاج فقط، وقد قالها بوضوح أمام عدسات الكاميرات: «جبران باسيل أو لا حكومة». كانت مزاجية عون لتصطدم بالحائط، ككلّ حروبه ومعاركه ومشاريعه، لو لم يجد «حزب الله» و«الخارج» الذي يقف وراءه، فيها ثغرة لمزيد من إحكام السيطرة على المعادلة اللبنانية.
في المقابل، «حزب الله» يعمل وفق مخطط محسوب ومدروس. وهو يدعم مزاجية عون في العرقلة، لأن لديه ثلاثة أسباب وجيهة للوقوف في وجه قيام حكومة. أولا، حكومة الوحدة الوطنية تقيّد حركة الحزب بالمطلق، وتجبره في حال اندلعت مواجهة جديدة مع إسرائيل على أن يعترف، من موقعه الحكومي، بقرار دوليّ جديد أو ملحق للقرار 1701، يفرض مزيدا من التكبيل على نشاطه العسكري. ثانيا، الارتباط العضوي للحزب مع إيران يجبره على انتظار ما سيؤول إليه حوار إدارة أوباما مع طهران، كما أن ارتباطه مع سورية يفرض عليه انتظار ما ستؤول اليه الأمور بشأن المحكمة الدولية الخاصة بالحريري. ثالثا، مصلحة «حزب الله» فضح الأزمة الحكومية الحالية كما هي بالفعل: أزمة حكم وأزمة نظام. والحلّ الذي يريده الحزب لأزمة الحكم التي تعصف بلبنان منذ أن كان، هو المثالثة المذهبية، وإن كان عَهِد الإعلان عنها إلى المندوب الإيراني الذي شارك في مشاورات «سان كلو»، والذي قال حينها بكلّ وضوح، إن صيغة الطائف لم تعد تناسب كلّ الطوائف.
بين «مزاجية» عون و«تخطيط» حزب الله، لن يجد الرئيس سعد الحريري إلا العرقلة. حتى ولو تمّ التشكيل، وأبصرت حكومة الحريري الابن النور، فإن التعطيل سيكون حاضرا عند أي منعطف أو مفصل. شربل بركات