#dfp #adsense

استراتيجية التعجيز لدى المعارضة

حجم الخط

استراتيجية التعجيز لدى المعارضة
المحامي جورج ابو صعب

من قال ان التعجيز وفرض الشروط التعجيزية ليس بحد ذاته استراتيجية مواجهة لدى المعارضة – فالوقائع والحقائق كلها مجمعة على ان المعارضة هي التي تقف دائما حجر عثرة امام اي استحقاق وطني ودستوري – فلها دستورها الخاص الذي يختلف عن دستور الدولة اللبنانية – دستور الطائف – ولها مصطلحاتها السياسية التي تختلف عن مصطلحات الوحدة الوطنية وبناء الدولة القوية والقادرة. فهي ( اي المعارضة ) لا ترى دولة الا من خلال ما تطالب به – وهذا حقها – ولكن لا تكتفي بالمطالبة بل تتعداها الى فرض الشروط وفرض ما تؤمن به على اساس انه الصحيح والمقدس.

فالوجوه المعارضة وانت تستمع اليها تتكلم عن دعمها لحكومة وحدة وطنية وتدعو للحوار الوطني وللاسراع في تشكيل حكومة – انما يخيل اليك للحظات انك امام حمائم سلام وانفتاح ووحدة وانقاذ للوطن – في حين ان من يتمعن في خلفيات المواقف المعلنة والخطب الرنانة سرعان ما يدرك ان استراتيجة التعجيز والفرض تقف وراء هذه الكلمات المعسولة والاخرى الهادئة.

فعن الحوار الوطني يتجلى بوضوح ان من دعى ويدعو الى الحوار يوميا منذ انتصار الاكثرية في انتخابات 7 حزيران هي الاكثرية – والحوار في مفهوم الاكثرية هو مناقشة الخلافات والاختلافات لمحاولة التوصل الى قواسم مشتركة بين الفرقاء تدور الزوايا وتؤدي الى بروز اتفاق وطني على القواسم تحفظ للدولة والوطن حده الادنى من التماسك والتوافق ووحدة الرؤى اذاء القضايا الهامة والمصيرية – فطاولة الحوار التي كانت تعقد بانتظام في قصر بعبدا اثبتت بوضوح ان من كان يطرح الحلول والمبادرات في المواضيع الشائكة للمناقشة كانت قوى الاكثرية فيما قوى المعارضة وعلى رأسها "حزب الله" و"التيار" كانوا يكتفون بالاستماع وأخذ الملاحظات من دون المبادرة الى طرح البدائل – فالحوار بالنسبة للمعارضة كالاصم الذي يريد ان يجعل الغير يظن انه يسمع له – فهذا النهج في معالجة القضايا الهامة بالحوار ولا سيما موضوع سلاح المقاومة ودويلة المقاومة – بقيت حتى اللحظة من دون معالجة ومن دون حوار فعلي وان سجل خرق على مستوى السلاح الفلسطيني على طاولة الحوار – والذي بقي من دون ترجمة عملية الى الان.

فالحوار والنظرة اليه باتا يتأرجحان بين حدين: الحوار من اجل الحوار وهو النهج الذي يسير عليه "حزب الله" وحلفاؤه – وفي بعض الاحيان تتطور النظرة الى الحوار من اجل الفرض على الاخرين – فيما الحوار بالنسبة لقوى الاكثرية هو للاقناع والاقتناع بغية التوصل الى قواسم مشتركة او مساحات مشتركة يمكن ان يبنى عليها اتفاق وطني جديد يطلق عجلة الحكم والعمل الحكومي بداً من تشكيل حكومة قادرة وفاعلة لا حلبة مصارعة وآلية حكومية مشلولة وشالة للبلد ولقضايا المواطن.

بالامس ومع الجولة الاولى من الاستشارات التي اجراها الرئيس المكلف سعد الحريري تبين كم ان الحوار الذي ينادون به في المعارضة لم يكن يعني حقيقة الا فرض شروط وتعجيز في تلك الشروط – فيما امام الاعلام كانت المعارضة ولا تزال توحي بانها مع الحوار وللحوار وعلى استعداد دائم للحوار – فاي حوار هذا الذي تفقهه المعارضة في فرض الشروط؟ خاصة وانها كانت تأخذ في بداية الاستشارات السابقة على الرئيس المكلف عدم طرحه تصوراً ما للمناقشة – فعندما طرح الرئيس المكلف التصور واودعه فخامة رئيس الجمهورية للمناقشة ووجه فورا برفض مطلق ومقاطعة من الاقلية مع ان الرئيس سليمان بنفسه اعترف بتوازن الصيغة ومقبوليتها واخر اقراره له بذلك في اتصاله الهاتفي الاخير بالرئيس السوري بشار الاسد منذ ايام.

فالحوار الذي تدعو اليه المعارضة ليس الا غطاء لحالة لا حوارية تعانيها او تعيش فيها قوى المعارضة السجينة والاسيرة لتعقيدات اقليمية ودولية تجعلها غير قادرة على التحرك او على الاقدام باتجاه خطوات ايجابية – وهذا ما بات جليا بمجرد عودة التوتر او الجمود الى المسارات الاميركية – السورية والسعودية – السورية والسورية – العراقية والايرانية – الاميركية الغربية الى ما هنالك من مسارات باتت المعارضة تربط لبنان بها وتحسن ربط نفسها بها وتحاول فرض هذا الارتباط والترابط على الاكثرية عبر التفشيل والتعجيز.

وعن حكومة الوحدة الوطنية التي تنادي بها قوى المعارضة علنا عكس حقيقة ما تفعله في الخفاء – فالوحدة الوطني ايضا باتت وفق منظورين متناقضين: منظور الاكثرية بتشكيل حكومة ائتلافية للمشاركة وتكريس الوحدة الوطنية وقد ارتضى الرئيس المكلف رغم الاحراج الذي تسبب به في علاقاته حتى مع حلفائه بتشكيلة حكومية قيل – عن حق – انها اعطت المعارضة اكثر مما كانت تتمنى او تصبو او تتوقع .

ومع ذلك رفضت والاكثرية تعتبر ان اي حكومة يجب ان تحافظ ولا بل تكرس المكتسبات السياسية التي جنتها – عن حق – في الانتخابات النيابية الاخيرة وما افرزتها من توازنات داخلية من دون التنكر لحق الاقلية بالتمثيل الحكومي المتوازن والمتلائم مع اقليتها في الانتخابات. فيما المعارضة – الاقلية تعتبر ان حكومة وحدة وطنية تعني حكومة الند – للند من دون اي اعتبار لنتائج الانتخابات ولارادة الشعب – لا بل تصل الى حد فرض تسميات وحقائب في سابقة تاريخية لم يعهدها النظام اللبناني لا في ظل دستور الجمهورية الاولى ولا في ظل دستور الجمهورية الثانية ولا في ظل دستور الطائف او الجمهورية الثالثة – ويصل التعجيز عند المعارضة الى حد ابتداع وابتكار مصطلحات ابعد ما تكون عن طبيعة النظام الدستوري الديمقراطي البرلماني كمصطلحات النسبية في تشكيل الحكومة والاكثرية الشعبية في مواجهة الاكثرية النيابية (وكأن النواب في انتخابات 7 حزيران انتخبوا من شعب في كوكب المريخ او كأن الذي فاز في انتخابات دائرته الانتخابية لم يفز بالاكثرية الشعبية لدائرته الا اذا كان قصد المعارضة من اكثريتها الشعبية اضافة الاولاد والقاصرين والشيوخ العاجزين عن المشي والتنقل والمرضى والمحجور عليهم والتلاميذ والاموات الى عداد احصاءاتها الشعبية للكلام عن اكثريتها الشعبية ) الى ما هنالك من بدع – وقد استغلت المعارضة ولا تزال بعض العبارات والشعارات كمثلا شعار "حكومة الوحدة الوطنية " وموقف الرئيس ميشال سليمان المبدئي بعدم توقيعه الا على مرسوم حكومة وحدة وطنية – لتطلق العنان لمؤامرتها في اسقاط نتائج الانتخابات من باب ان حكومة الوحدة لا تقوم الا بموافقة الاقلية ولتوافق الاقلية فهذه هي شروطها والا لن يكون بامكان الاكثرية الحكم – فهذه الحالة التعجيزية ايضا ضربت عرض الحائط بالدستور والنص والعرف والمبادىء الدستورية الكبرى والارث الدستوري والسياسي للحياة الوطنية اللبنانية لنرسي اليوم على حالة انقباض وانكماش سياسي ضبابي لا يمكن لاحد ان يتكهن بمصيره والى اين ستؤول اليه الاوضاع في البلاد.

واليوم، وبعد اعدة التكليف الثانية للرئيس الحريري – وفي ظل عدم انقشاع الرؤية في المنطقة والغموض الذي يكتنف الوضعين السياسي والامني في البلاد – نسأل كما يسأل كل مخلص عن مصير الاستشارات لا بل المفاوضات التي سيجريها الرئيس المكلف اعتبارا من يوم الخميس المقبل بعد عيد الفطر السعيد – لان لا شيء يبدو انه تبدل في منطق وجهوزية اللاقلية المعارضة وفي منطق النظرة الى فلسفتها الخاصة بتشكيل الحكومة وكيفيتها – فلبنان بات اليوم اسير معادلة صعبة وخطيرة:

اما التسليم بالخارج ولعبة المحاور الاقليمية والدولية ولو على حساب لبنان ودستوره ونظامه السياسي وبالتالي سقوط استقلاله وسيادته في خضم الحسابات الخارجية، واما السير في تشكيل حكومة انقاذ وفقا للدستور والنظام السياسي اللبناني ولكن على حساب استقرار البلاد وأمنه وهدوئه. وفي كلتا الحالتين نحن امام التعجيز وبحاجة الى معجزة.

في الانتظار لا تزال استراتيجية التعجيز هي سيدة مواقف المعارضة – الاقلية، وهو ذات التعجيز الذي قد يبقي لبنان بلا حكومة لفترة طويلة حتى ولو غلف التعجيز بظهورات اعلامية هادئة حاليا او بتصاريح واعلان نوايا يلزمها الكثير من الاختبار لقياس مدى صدقيتها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل