كلام يكهرب !
لم يكن الوزير الصديق محمد شطح في حاجة الى الحديث عن أزمة الكهرباء في لبنان، اولاً لان حديثه كهرب الكثيرين، وثانياً لانه أثار في من تبقى من اللبنانيين التوتر العالي!
أصلاً جاء شطح الى وزارة المال من عالم الديبلوماسية واللياقة، وعرف دائماً بتهذيبه وهدوئه وصوته الخفيض. ولكن عندما يصبح الحديث عن الكهرباء والفولتاج والضوء والعتمة والفواتير وتشبيح اصحاب المولدات، فليس مستغرباً على الاطلاق ان تشرقط مشاعر المواطن في لبنان وان "يطقّ الهاوس" في الرأس كما يطق الحزن في القلب.
❒❒❒
يقول الوزير شطح: "ان الخزينة اللبنانية تدفع سنوياً عن كل عائلة لبنانية اكثر من 1500 دولار لسد عجز الكهرباء في لبنان"!
المقصود ضمناً بهذا الكلام ان الخزينة تتكلف هذا المبلغ عن كل عائلة، لانها مضطرة الى تغطية العجز المتفاقم والخسائر المتزايدة في مؤسسة الكهرباء. لكن جواهر الموضوع ليس في هذا التظهير الرقمي والمالي، بل في الواقع المريض، الذي يسيطر اولاً على مؤسسة الكهرباء، وثانياً وهو الاهم على "دولة كل مين إيدو إلو" كما يقال، والتي تسببت وتتسبب بفشل مؤسسة الكهرباء ووقوعها في العجز والتقصير.
ليس صحيحاً ان الخزينة اللبنانية، وهي لكل اللبنانيين طبعاً، هي التي تدفع مبلغ 2200 مليار ليرة سنوياً لسد عجز الكهرباء، لان الذي يدفع عملياً في النهاية، هو قسم كبير من اللبنانيين عبر هذه الخزينة سواء كانت مليئة او مديونة. بينما هناك قسم آخر منهم وفيهم باقة من علية القوم والمسؤولين والسياسيين والزعماء والقادة والمؤسسات والقصور والسفارات والوزارات والاطيان والدور الفخمة والتخشيبات ولوحات الاعلانات المضاءة ليلاً والاحياء الفقيرة في الضواحي والارياف والمخيمات، لا يدفعون شيئاً!
كل هؤلاء لا يدفعون قرشاً واحداً، ولا تملك مؤسسة الكهرباء – وكان الله في عونك يا كمال حايك ويا بطرس فرح على سبيل المثال وما اكثر امثالكما من الاوادم في مؤسسة الكهرباء – القدرة على التحصيل او الجباية، ولطالما عاد الجباة احياناً بالكسور والجروح والضمادات على رؤوسهم لا بالمبالغ المحصلة. ثم ان المؤسسة لا تملك قوة الصدم أو فرقة المغاوير أو الفهود أو أكلة الافاعي أو النمور أو حتى فرقة النخبة، لكي تدخل الى حيث لا يجرؤ الآخرون فتمنع التعليق وتوقف سرقة التيار وتنهي الشركات والدكاكين التي تأخذ من خطوط المؤسسة مجاناً بالسطوة وتبيع الآخرين لقاء تعرفة!
❒❒❒
لا، ليست الخزينة هي التي تدفع 125 دولاراً في الشهر عن كل عائلة لسد عجز الكهرباء، بل قسم من اللبنانيين هو الذي يدفع عن نفسه وعن غيره ايضاً. وحتى ما يترتب من عبء الدين العام على الاجيال المقبلة سيدفعه هؤلاء الاوادم المساكين في النهاية، فعن اي خزينة تتحدث ايها الوزير الصديق؟
ان الذي اوصل الامور الى حافة الهاوية والكارثة هو المستوى السياسي الفاسد والمتعفّن الذي يضع يده على مؤسسة الكهرباء، تجهيزاً وتلزيمات وعقوداً وتوظيفاً وحماية ومحاسيب واستيراداً للفيول ومتاجرة بالبواخر وسمسرة ونهباً وعلى عينك يا تاجر.
ان ثلث الدين العام الذي يزيد على 45 مليار دولار، اي اكثر من 15 مليار دولار، هو خسائر مؤسسة الكهرباء في اقل من 15 سنة، فماذا فعلت الدولة؟ وماذا فعل الساهرون والمؤتمنون على الخزينة؟
في النهاية اضطروا دائماً الى فتح الاعتمادات من المال العام لمؤسسة يفترض ان تربح المال لا ان تكبّد الخزينة كل هذه المبالغ الاسطورية.
لقد توالى على وزارة الوصاية على الكهرباء عدد غير قليل من السادة الوزراء، فهل وصلت الجرأة بأحدهم مثلاً الى حد عقد مؤتمر صحافي وتوزيع لائحة بأسماء الذين لا يدفعون الفواتير للمؤسسة سواء أكانوا من الزعماء او من المؤسسات ام الفقراء ام القبضايات؟ واين تبخرت المليارات؟ وفي اي ظلمة او ليل بهيم؟
❒❒❒
لقد جاءنا اخيراً وزير يبشر بحل ازمة الكهرباء بشحطة قلم، وليس المقصود هنا الوزير شطح بل ذلك الذي يريد اغراق الخزينة بخمسة او عشرة مليارات من الديون الاضافية لقاء شراء مولدات، وأنعم وأكرم، وتوزيعها في الاحياء والبلدات تعميماً للضجيج والاختناق والتلوث وفتحاً لباب الارتزاق ولتسابق السماسرة على ما يسمى عندنا مناقصات وما ادراك ما المناقصات؟
هذه الدولة الفاسدة والمهترئة، دولة اللصوص والسرقات والسمسرات، هي التي جعلت وتجعل من مؤسسة الكهرباء قبراً عميقاً يأكل الخزينة والموازنة ويجر البلد الى الافلاس، فعلى من تقرأ مزاميرك يا شطح؟ واي خزينة هي التي تدفع عن العائلات، وكيف بالله عرفت عدد العائلات في هذا الوطن المتاهة؟ هل هي خزينة دولة النهب والنصب، ام ذلك الشعب الغبي الذي يدفع الفاتورتين ويقبع في الظلمة مكتفياً بكلام التوتر العالي يطلقه في حق الدولة؟
ومرحباً ايها الشعب وايتها الدولة… والخزينة!