المعاناة بين (خريف الدولة) و(شتاء الناس)
حتى الطبيعة أرادت أن تمتحن حكومة تصريف الأعمال التي سقطت في امتحان تصريف مياه الأمطار فتحوَّلت الطرقات في اليوم الأوَّل من الخريف إلى سواقٍ وأنهار وبحيرات، وإذا كانت أول أيام الخريف على هذه الحال من السوء فكيف سيكون عليه الوضع في فصل الشتاء وكل الأَرصاد تُنبئ بشتاءٍ قاسٍ؟
* * *
ما يؤسَف له أننا نعيش في جمهورية تغرق في (شبرِ ماء)، فعلى رغم بيانات ومذكرات وتعاميم وزير الداخلية للبلديات بتنظيف مجاري المياه قبل فصل الأمطار، وعلى رغم جولات وتحذيرات وزير الأشغال من عدم الإهتمام بوضع الطرقات، فإن المحظور وقع و(قُضي الأمر) في أول يومٍ ماطر.
* * *
نُجدِّد المطالبة هنا بأن تُسارع حكومة تصريف الأَعمال إلى الإستقالة حتى من تصريف الأَعمال، لعلها بهذه الخطوة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم وتحثهم على الإسراع في تشكيل الحكومة حين يشعرون بأن الفراغ هو سيِّد الموقف، ولئلا يبقى البلد عالقاً بين حكومتين:
الأولى غير قادرة على تحقيق أي إنجاز بعدما دخلت في غيبوبة، والثانية لم تولَد بعد.
* * *
قد يرى البعض أن هذا الطرح طوباوياً وغير ممكن التحقّق، لكن على عكس هذا الإستنتاج فإن المخارج العادية والتقليدية لم تَعد تجدي نفعاً في هذا البلد، لقد اختبر الناس مثل هذه المخارج فماذا كانت النتيجة؟
مجلس النواب السابق بقي عاطلاً عن العمل سنتين من أصل أربع سنوات هي عمر ولايته الكاملة.
مجلس النواب الجديد ما زال معطلاً منذ انتخابه أي منذ أربعة أشهر.
حكومة تصريف الأعمال كانت كذلك حتى قبل أن تدخل دستورياً في مرحلة تصريف الأَعمال، حتى أن القرارات التي اتخذتها بعد إستقالة وزراء حزب الله وحركة أمل منها والوزير الذي كان محسوباً على الرئيس السابق اميل لحود، لم يتم الإعتراف بها حتى اليوم، ويذكر الجميع انه كان يُطلَق عليها اسم (الحكومة البتراء)!
* * *
في مثل هذا الوضع من الأداء التقليدي ليس بالإمكان الإقلاع بالبلد وتحقيق أي إنجاز، وعليه فإن استشارات التأليف التي ستنطلق غداً الخميس، يُفتَرَض بدورها ألا تكون اعتيادية بل يجب إيجاد مخارج مُبدِعة لها تُخرِج الوضع اللبناني من دائرة المراوحة والجمود القاتل، وما لم يفلح المعنيون في تحقيق مثل هذا الإنجاز، فإن البلاد تكون قد دخلت في (مجهول سياسي) يؤدي عملياً إلى أكثر من مجهول أمني واقتصادي واجتماعي ومعيشي وخدماتي، يكفي أن نتذكَّر أن الأمطار الأولى لهذه السنة تسبّبت في انقطاع معيب للتيار الكهربائي ما جعل اللبنانيون يتوقعون أيَّ شتاء قاسٍ سيشهدونه من دون أن يتوصلوا إلى معرفة مَن هي الجهة التي يُفتَرَض أن يحملونها المسؤولية عن الوضع المذري الذي هم فيه والذي سيزداد سوءاً.