لبنان: استسلام كامل أمام المعطى الخارجي
اليوم تنطلق الاستشارات النيابية بهدف تشكيل الحكومة، وهي تمتد خمسة ايام متتالية في سابقة تاريخية لم يشهدها لبنان منذ ولادة الجمهورية. وإذا كانت الاستشارات الطويلة وضعت تحت عنوان توسيع حلقة التشاور في العمق، فإنها تكشف بلا ما لا يدع مجالا للشك الصعوبات التي تعترض تأليف حكومة بالسرعة التي يتمناها المواطنون. وهي من جهة اخرى تؤشر لاستمرار انسداد الآفاق السياسية خارجيا وتاليا داخليا والتي من شأنها ان تعجل في ولادة الحكومة. ومن جهة ثالثة تندرج اطالة امد الاستشارات في سياق تسليم لا بل استسلام داخلي كامل للمعطى الخارجي الذي صار واضحا انه كان العامل الاساسي المانع لولادة الحكومة في المرة الاولى. ومن الطبيعي والحال هذه ان ينصرف الافرقاء المحليون الى ابتكار طرق لتقطيع الوقت ما دامت الامور لم تنضج بعد على مستوى المرجعيات الخارجية المقررة.
هذا الكلام لا يرمي الى تقليل قدرة الاطراف المحليين على انتاج حلول لبنانية داخلية. فمتى توافرت الارادة والقرار لتخليص لبنان من وظيفته كساحة لتصفية حسابات خارجية يمكن اخراجه من هذه الدائرة المفرغة التي يدور فيها من غير هدف واضح في انتظار قرارات تأتي من الخارج.
والحال ان لعبة تقطيع الوقت تبدو شاملة خارجيا بحيث صار الكل ينتظر الكل ولبنان اكثر من يعجز عن الخروج من غرفة الانتظار والانتقال الى مرحلة جديدة. فالسوري ينتظر الاميركي، والسعودي ينتظر السوري، والاميركي ينتظر الايراني والعكس صحيح. وفي هذه الاثناء يتلهى اللبنانيون بأخبار المناورات الحكومية، والمطالب والشروط المتبادلة حول الحقائب والاسماء المرشحة للتوزير. ولكن ما من احد يشك لحظة في ان المعضلة تكمن في الاستسلام الكامل امام المعطى الخارجي.
و لعل الايجابية الوحيدة التي يمكن ملاحظتها هي ان لا قرار – اقله حتى الآن – لتوتير الوضع الميداني. ولا قرار للجوء الى الشارع، على رغم الضخ الاعلامي الذي يبشر بقرب انتقال "الحوار" الخارجي الى الشارع اللبناني، وتاليا اقتراب مرحلة الاهتزازات الامنية.
في غضون ذلك، ثمة كلام كثير على الحاجة الى "اتفاق دوحة -2" من اجل تشكيل حكومة وفق قواعد جديدة. والقواعد الجديدة التي يُحكى عنها مبنية على اعراف "الدوحة -1" التي ثبتت مبدأ الثلث المعطل، والحكومة الائتلافية الموسعة التي تجمع الاضداد، يضاف اليها مسعى مستجد لحصر دور رئيس الجمهورية كنتيجة منطقية لـ"ميثاق" سياسي جديد يقوم بين الجناحين المسلمين في البلد السني والشيعي ويأتي انعكاسا لصفقة سعودية – سورية (ايرانية) تقبل بها الولايات المتحدة.
والسؤال هنا: كيف يفلت لبنان بصفقة اقليمية – محلية في ظل تفاقم الصراع العربي (الرسمي) مع ايران من صعدة الى فلسطين ولبنان، وفي ظل اصرار سوري حاسم على كسب الوقت مع الادارة الاميركية الجديدة التي لم يعد خافيا انها لا تستعجل عودة الحرارة الى علاقاتها مع دمشق، وتواصل مطالبتها بخطوات ملموسة تؤكد تغييرا في سلوكها؟ من هنا القراءة السورية لسياسة الادارة الاميركية التي تعتبرها امتدادا لسياسة الادارة السابقة لكن بأسلوب مختلف.
كل الاطراف يمارسون لعبة تقطيع الوقت. وقد يدوم التكليف الثاني لرئيس الوزراء المكلف سعد الحريري يوما او شهرا او سنة ما لم يطرأ احد جديدين: انجاز ايجابي على المسرح الاميركي – الاقليمي، او "عركة" في الشارع بعد مرور بضعة اسابيع تحرك الامور في اتجاه او في آخر.