يرتفع الصليب
من زمان نحن هناك حيث يرتفع الصليب. ليس ما هو أسمى.
هو صليبهم. انا منذ الان هناك. وكيف لا. كلنا، منذ الامس واليوم وبكرا هناك.
هناك ليس في ملعب جونية، بل في ملعب الشهادة، في حضنها.
نحن صنعناها ذات يوم وكل يوم، الامس واليوم وبكرا، الى ان تنتهي الايام. نحن، لمن تناسى، صنعنا بالدم والدمع، الصلبان والقوافل والثكالى والارامل، وبعض الانتصارات ايضا، والامل بـ "بكرا".
هو ليس بذاك التاريخ الذي نشتهيه . لسنا من هواة الموت. نحن متنا ونموت ليحيا اخرون، وان كان بعضهم لا يستحق معنى الشهادة.
لم نكن لنختار درب التوابيت البيض، لكن القدر كان يختار عنا ونحن قبلنا صاغرين.
كنا لوحدنا في اللعبة، والاشرار كثر، أكثر منا بكثير، وما زالوا. ما زلنا وحدنا في اللعبة، لكن المفارقة ان الاشرار، بعضهم، رحلوا وبقينا نحن مع الكثير من الاشرار. كل سنة
نضيف تابوتا او أكثر الى الارشيف، الى القافلة. وكل سنة ننظر الى الصور
ونبكي أكثر من كثير. اين تنظر عيون الصور، صورهم؟ ماذا يقول ساكنوها.
تنظر الى فراغ. الى نعيق البوم الهادر فينا.
صرنا مربض الاسى. لن اكذب وأحكي عن البطولات. بطولاتهم. عن الاستعداد لبذل المزيد من الشهداء. لا أريد. لا نريد. صار هذا من الشعر القديم.
غريب أمرالحياة في لبنان. يموت من يجب ان يعيش ويعيش من يجب أن يموت، عن جدّ يموت. وهذا ليس كفرا بل قهرا. من يذكر هؤلاء؟ من سيصنّفهم شهداء؟ في أي كتاب تاريخ سيُزجون؟ من سيقول عنهم انهم شهداء وليس قتلى مجرد قتلى؟ من سيصفهم بالمقاومين، بعدما سرقوا من قاموسهم السياسي الجديد من منا هو المقاوم ومن هو "الازعر"؟ …. ويحزنني اني أعرف وتعرفون الاجابة.
"ما فينا نكون أسامي"، تقول اغنية الشهداء…. ولكنهم صاروا كذلك. تحولوا الى أسماء في جمهورية تحوّل الشهيد فيها الى ميت، والاموات فعلا الى أحياء أبطال. ضيعان العمر. سأكون هناك في ملعب جونية، اقبّل الصور، أمسح الدمع المالح المنهمر فوق الذكرى. أفرح بحزني معهم ….. وأثور بداخلي كموج بحر هائج يلطم بعنف الرصيف ثم يعود… محطما !! سأكون هناك مع رفاقي نعزّي انفسنا ورفاقنا اللي راحوا، بأن لعيون الصور غير عيون، ما زالت تدمع لذكراهم كلما دقّ صليب فوق قبة كنيسة، أو ارتفع صليب جلجلة جديدة على الطريق.
انا ورفاقي من زمان هناك، معهم، نصلي لاجلنا ولاجلهم ولاجل لبنان، رغم العمر الضائع رغم الحزن اليابس.