مي شدياق .. هل كنّا نستحقّ هذه التضحية؟!
قد نتذكر، وقد لا نتذكر، أنه وكتاريخ اليوم، ومنذ سنوات أربع، وكان صبيحة أحد أيلولي، والخريف بدأ يتسلل حزيناً إلى سماء لبنان، مثقلاً بدماء الشهداء، وكان خريفنا السياسي الذي مازال ممتداً تجتاحه وتتلبد في سمائه "غيوم سوداء".. هكذا قال صبيحتها "الزميل سركيس نعوم"، ورغم القنوط السياسي، بابتسامتها المشرقة ودعتنا، حتى خلنا أن الشمس طلعت والغيوم انقعشت، وقبل أن تقرع أجراس الكنائس معلنة موعد قداس السادسة، دوّى انفجار.. من يومها دوّى السؤال، كان لوقع ساقها ثم يدها على الأرض رنين أصداؤه أعنف بكثير من كلّ ما دوّى ذاك المساء في لبنان..
تتزاحم في رأسي وفي ضميري الصور، تتساقط الوجوه، "تتمسح" الدموع، يتهاوى كالفراش المتفجّعون الكثر، تتهافت المؤسسة، البنيان العملاق الذي يُعلن الحريّة، أسأل نفسي: ماذا لو ماتت مي في تلك العشيّة؟ هل كانت سترحل "مخدوعة" و "مغشوشة"، هل تكون مشاعرنا "كذّابة" و"مزيّفة" إلى هذا الحدّ؟ هل كنا "شهود زور"، هل كانت اللحظة بأمها وأبيها لحظة انفعال صادق ثم زال الانفعال واستعادت المشاعر أقنعتها الحقيقيّة؟
تثقل ضميري آلاف الأسئلة، ولا أشك لحظة أن لبنان يستحق التضحية، ومع هذا أسأل كلما شاهدت "مسرح كشكش" اليومي المنصوب أمام أعيننا ومن دون إبداع حتى، بل ينتابنا "الغثيان" والدوار، مع أنه "حبل كاذب"، هذا الوطن العاقر، ينجب رجاله للموت، وأشباه رجاله، وذكوره، ومخصيّيه، ومخنّثيه للعيش، أيّ عيش؟
تتزاحم الوجوه "الملوثة" بالدموع والنضال وادّعاء الحريّة، الأصوات المنفعلة التي تزلّ ألسنتها بكلام "تندم بعدها" على قوله، أو تتراجع عن "كلمة حق" نطقت بها في لحظة طيش… قبّح الله صباحك أيها الإعلام العاقّ الجاحد… وأسعد الله كلّ نهاراتك يا مي.. تتساقط الأقنعة في ضميري، تشرئبّ الأعناق التي كانت "ملويّة" حزناً كاذباً أمام الشاشة، ترنّ الجمل في أذني "مي لا تُرشق بوردة فكيف بانفجار"، مع أنهم رموها بعد عودتها بـ "تيجان الشوك" و"كباكب العوسج"، حقدوا حتى بتر ساقها ويدها… مَن يُصدّق "يا عالم يا هووووو" أنهم حقدوا حتى على ساقها ويدها المبتورة؟
لو ماتت مي تلك العشيّة، لكانوا اليوم يعتلون المنابر يحدثوننا عن "مقدار محبتهم واعتنائهم بإرثها الإعلامي" ولعُلّقت لهم نياشين الوفاء، وهم يستحقّون "نياشين منتظر الزيدي"!! لو ماتت مي تلك العشيّة لكنتُ أيقنت أنها حيثُ هي، قد اكتشفت الحقيقة، ولشاهدت ما تضمره السرائر، ولسمعت أقوال "القوّالين" في محاسنها وبطولتها والصفات الطوباوية التي تخلع عليها وهم يحدثوننا أنها "جاندراك لبنان" ولكانت "ضحكتها طقّت ورنّت" ثم قالت بجرأتها المعهودة: "صه يا كذبة .. لست جاندارك.. أنا مي شدياق".. ولو كان هناك من دبش وحجارة في السماء لأمطرتنا بسيل منها يجرفنا وكذبنا وغشنا وخداعنا"، ولرشقتنا بحذائها ذو الكعب العالي الذي فقدته وضاع مع ساقها وقدمها… لو ماتت تلك العشيّة، لأيقنت أن اكتشفت الحقيقة، لحظة الموت هي لحظة اكتشاف الحقيقة، لحظة رفع الغطاء عن البصر القاصر الحسير، (فكشفنا عنك غطاءك فبصرُكَ اليوم حديد) (خواتيم سورة الحديد).
هل سيتذكرون أن اليوم 25 أيلول، الذكرى الرابعة على نجاة مي من محاولة اغتيال جسدها، ولا أدري أيها على محاولات اغتيالها معنوياً ومهنياً.. اليوم مي تطلق مؤسسة مي شدياق للإعلام، سيموتون حقداً وحسداً، وسيفتتحون جمعيات ومبرات وأخويات "وأخو هالبلد وأخت أمثال هؤلاء"، شعور واحد ينتابك وأنت تعبر هذه السنوات الأربع تتابع عيناك مي تجر على كتفيها صلبان كثيرة، والأيدي تمسك المطارق والألسنة مسامير، و"الدقّ" شغال.. مع أن لا ترشق بوردة، فكيف تدقّ يومياً على صليب تضحيتها…
ينفجر في رأسي وضميري سؤال واحد فقط: هل طرحت مي شدياق على نفسها السؤال: هل كان هؤلاء يستحقون هذه التضحية؟ ويزدوج حزني ويثقلني، فإن قالت لا، حزنت لحجم تضحيتها، وإن قالت نعم، حزنت لهول جحودنا ونكراننا.. أسعد الله نهاراتك يا ميّ، وقبّح الله وجوهاً وألسنة وضمائر خانت شهادة الدماء والتضحيات، بحفنة من السياسة وأكوام من الكذب… حسناً، لم تمت مي، كتب الله لها النجاة وأعطاها وجع "اكتشاف الحقيقة"، وفي انتظار "الحقيقة الكبرى والعدالة والقصاص"، "حاكمينا" يا مي، فنحن حتى لا نجرؤ حتى على الاعتذار من جراحك لأننا لا نستحق حتى "مقام" الاعتذار!!
يقول الشاعر العربي "ذو الرِّمة" وكان أحد عشاق العرب المشهورين، وقف شعره على مي، وهي مية بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقرية، وكانت فاتنة الجمال: ألا إنما مي فصبراً بلية/وقد يبتلى المرء الكريم فيصبر.