#adsense

في أساس الديموقراطية: عامل الوقت

حجم الخط

ثمّة مدّة معقولة لكل تشاور و"التعطيل" استنفد أغراضه الآن
في أساس الديموقراطية: عامل الوقت

عامل الوقت عنصر أساسيّ بالنسبة إلى المؤسّسات الدستوريّة. عدم الاكتراث بهذا العامل يؤدّي حكماً إلى تعطيل أو تفريغ هذه المؤسّسات. وما يحصل منذ بضع سنوات وإلى اليوم في لبنان، أنّ فريقاً يزيّن لنفسه أنّ قوّته تكمن في عدم اكتراثه بعامل الوقت، وفي كونه يستضعف الفريق الآخر باعتبار أنّ هذا الأخير أكثر ارتباطاً منه بعامل الوقت. فريق يقول لآخر: الوقت لا يهمّنا، سواء كان وقت "الاعتصام المفتوح"، أو وقت "الفراغ الدستوريّ"، أو وقت "الأزمة الحكوميّة" التالية لانتخابات واضحة النتائج. وأحياناً يضيف هذا الفريق: الوقت لا يهمّنا، وإن همّنا فعلى سبيل الدعاية والبثّ ضد الفريق الآخر، بذلك نمسك أخصامنا من اليد التي توجعهم.

لأجل ذلك فإن المدخل الحقيقيّ لإصلاح التخاطب السياسيّ في البلد، والمبادرة إلى مناقشة دستوريّة في العمق للأزمة اللبنانية في تجليّاتها المختلفة منذ أربع سنوات، هو إيجاد مساحة مشتركة بين كل الأفرقاء محورها إعادة العناية بـ"عامل الوقت"، وتحييده قدر الإمكان عن النزاعات، وإرجاعه قدر المستطاع إلى نص الدستور وروحه. صحيح أنّ لبنان ديموقراطية توافقية، وأن التشاور والتداول لأجل تأمين التوافق يأخذ وقتاً، لكن ثمة في نهاية الأمر مدّة معقولة لكل وقت. بعض هذه المهل محدّدة دستوريّاً وممتنع تجاوزها بنص، وبعض هذه المهل غير محدّدة دستوريّاً، كمثل مدّة تأليف حكومة، إلا أنّها مرهونة بلزوم الانتفاع من المهل الدستوريّة للمؤسسات الأخرى، ذلك أن كل يوم يمرّ والبلد الخارج من انتخابات نيابية فاز فيها فريق وخسر فيها فريق من دون أن تنبثق إنما هو هدر ليوم من مهلة رئاسة الجمهورية وليوم من حياة المؤسسة التشريعية.

الديموقراطية هي في الأساس نظرية سياسية لتحسين شروط التعامل مع الوقت. احترام المواعيد الدستورية، ودورية الانتخابات، وتجنّب تسليم السلطة لشخص مدى الحياة، هي كلها من علامات الديموقراطية من حيث هي سيطرة على الوقت، وإخضاعه إلى لعبة المؤسسات. لا يمكن أن تكون الديموقراطية التوافقية في المقابل نظرية في إهدار الوقت، أو في تخطي المواعيد الدستورية، او في هدر المهل الدستورية المعمول بها.
ينبغي أن يأخذ التحاور والتجادل كل وقته في الديموقراطية التوافقية، أمّا الزجر والتهديد بإنه "إما التوافق المطلق وإما تعليق الأوضاع" فإنه مسلك هادر للوقت بامتياز. وهذا مثال "الأيام التشاورية الخمسة" أمامنا: ليأخذ التشاور كل وقته، ضمن المؤسسات، وتحت قبة البرلمان، أمّا بعد ذلك فينبغي أن تجمع كافة الأطراف على الإنصات لـ"عامل الوقت".

ويمكن التفاؤل في هذا المجال ليسَ فقط بالاستناد الى أجواء إقليمية قد توحي بالتفاؤل، بل أيضاً لأنّ "التعطيل" في كل مرة له وقته، الوقت الذي يستنفد فيه مهامه المباشرة قبيل أو بعيد كل استحقاق. وهذه المرة يمكن القول ان "التعطيل" استنفد مهامه: الأشهر الأولى التالية للانتخابات أعادت تذكير الرابحين فيها أنّهم محكومون بـ"تعايش" غير سهل أبداً بين منطق 7 أيّار ومنطق 7 حزيران، وأنّه لا نزال بعيدين من اختتام الأزمة اللبنانية. استطاع "التعطيل" أن يوصل "رسالته"، ان صحّ التعبير، ماذا يريد بعد؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل