#adsense

مي شدياق.. من “مهد الآلام” إلى “معهد الإعلام”

حجم الخط

مي شدياق.. من "مهد الآلام" إلى "معهد الإعلام"

تحل الذكرى الرابعة لمحاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق، والمجرم لا يزال يختبئ في مكان ما.

بالطبع من تجرأ على التفكير في قتل نفس بشرية لن يقف اليوم ويعترف أنه فعلها، بل هو يتابع حياته وكأن شيئاً لم يكن، قد يكون هو نفسه اليوم يبحث له عن طريدة تشفي غليل حقده الأعمى الذي لا يرتوي، بل يستلذ كلما أذاق "عدوه" طعم المرارة والأسى. هو نفسه قد يكون اليوم، يبحث لنفسه عن قبو مظلم يحميه، يجنده من جديد، ويطلقه ليطارد الأحرار ممن رفض أو يرفض حكم "الظلام" وأنظمته.

التفجير الذي استهدف مي منذ 4 سنوات أتى ليحاول قمع الكلمة التي أمعنت شدياق في قولها و"لو على قطع الرأس"، إنها كلمة الحق التي اعتادت ان ترددها على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال. هي نفسها الكلمة الحرة، السبب الأول والأخير الذي دفع من ينتظر في سراديب الليل إلى وضع بضعة كيلوغرامات من المواد المتفجرة في سيارة مي، وزن خفيف من الحقد يكفي ليريح القاتل ممن يقلق راحته، ممن يلاحقه بحقيقة واحدة، أن مهما طال الزمن، سيأتي اليوم الذي يُجبر فيه المجرم على الخروج من وكره، ليتذوق الكأس المرة التي سقاها للأحرار ومنهم مي.

لم تكن المرة الأولى التي يتعرض فيها إعلامي للاغتيال أو محاولة الاغتيال، وهي لن تكون الأخيرة، لأن من اعتاد القمع ومن يهوى ويتقن سياسة الالغاء لن يقف مكتوف اليدين، مادام هناك من يملك "كل الجرأة" على قول الحق في كل مكان وزمان، ومن جند نفسه ليوصل الصوت "الحر" إلى كل زاوية من هذا الوطن الصغير، إلى كل دار وكل ساحة، لأنه يدرك أن "الصوت سيودي"، ومن لديه قابلية لأن يسمع سيلبي في يوم ما، نداء التحرر، كما حصل في 14 آذار من العام 2005.

البعض لم يكن يحبذ أن يرى "الفراشة" تطل صبيحة كل يوم عبر برنامج "نهاركم سعيد" على شاشة "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، لسبب بسيط، أنه يخالفها الرأي، ولا يستطيع أن يتقبل أن في مكان ما في هذا "العالم" الواسع، هناك من يختلف مع "زعيمه" ويجاهر بانتمائه إلى ثورة سلمية هزت العالم بأسره. قد تكون مي شدياق إحدى القلائل في طريقة تعبيرها الحادة، وانتمائها الذي لا هوان فيه إلى نهج نشأ منذ زمن وتكرّس بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لكن، العيش في نظام ديموقراطي يُفتخر به، يحق لأي انسان أن يتفق مع هذا أو يعادي ذاك، لكن لا يحق لمن يختلف مع مي شدياق أن يفرح عند سماع نبأ محاولة اغتيالها، ليستعيد ذاكرة "الحلوى" التي وزعت على الطرق عند استشهاد جبران تويني. يحق للإنسان أن يختلف مع مي شدياق في السياسية، لكن لا يحق لأي مخلوق أن يسخر من شهادتها، ويلاحقها حتى وهي على فراش الموت بضحكة ساخرة لا تعبر إلا عن أذى يحمله هو ومن معه لكل انسان مختلف، أذى يبدأ مع مي ولا ينتهي عند فلاح في قرية بعيدة ضحك مرة عندما رأى لبنان يتوحد بجميع أبنائه في ساحة "تتغنى" بشهدائها وستبقى.

انفجرت سيارة مي شدياق. نجت هي بأعجوبة. أشهر بقيت تتعالج من إصابتها. عادت بعد غياب ومعاناة. صبرت على الألم لأنها من النوع الذي لا يستسلم للخوف ولا يهابه، فأطلت مجدداً عبر الشاشة الأحب على قلبها، لتغيض من أمل في إسكاتها، وتواسي من سبقها إلى درب الشهادة، بأن الحياة تستمر وعجلتها لا تتوقف طالما وُجدت العزيمة المزينة بالإيمان بوطن وبشعب يحب الحياة ويريدها أكثر من أي شيء آخر.

من تابع مي شدياق العائدة من أكثر من 30 جراحة، وهي تقدم برنامج "بكل جرأة"، أدرك أن لا شيء يستطيع أن يوقف دورة الحياة في نفس ولادة، اعتادت محاربة الموت، وتعلمت أن "القضية" مقدسة، والوطن "أهم من كل شيء". من شاهد مي على الشاشة الصغيرة، أدرك أنها من طينة من لا يلين ولا يستكين في قول الحق، والدفاع عنه، ومن شارك مي شدياق في برنامجها، حليفاً كان أم لم يكن، تعلّم، لا بل أجبرته على احترامها، وجعلته مرغماً عنه يحيي فيها "إيمانها".

عودة مي شدياق إلى "المؤسسة اللبنانية للإرسال" استمرت 10 أشهر، تابعها اللبنانيون بشغف، ولم تُشعرهم يوماً أنها "مستاءة"، قبل أن تقدم استقالتها مباشرة على الهواء، معلنة "بغصة": أنا قررت أن أترك، على كل حال أنا صار لازم ودعكم، الأسبوع الماضي خضعت للعملية للجراحة الرقم ثلاثين خلال ثلاث سنوات. وعندما كنت أتخبط في عذاباتي وأوجاعي، وتعرفون أنها لم تأتِ عبثاً، بل هي نتيجة محاولة اغتيالي في أيلول ، أول ما فكرت فيه أنني كنت فرحة لأنني كنت راضية، لأني تحديت نفسي وقررت ان أرجع بعد عشرة أشهر…".

تنهدت مي، ومعها شخصت آذان آلاف اللبنانيين، الذين بُغتوا بقرارها، لتضيف قائلة: "لم أعد أستطيع أن أخون الدم ومبادئي وأبخّس بمستواي وكرامتي لأسترضي أحدهم دون المستوى.. ولم أعد أحتمل أن يقفل نائب خطه قبل دقائق من وقت البرنامج بجرم أنني شهيدة حية"، أنهت مي شدياق حياتها في "بيتها" الثاني، لا بل الأول، وغادرت لترتاح من "زملاء شنوا حرباً شعواء علي"، غادرت وهي تردد: "خدعوا العالم كفاية، ويمكن نحنا ساهمنا بوصولهم عام ، ودفعنا الثمن غالياً… مش صحيح ان من ارتكب الجرائم لم يعد في لبنان… لسنا مضطرين ان ندافع عن أناس لا يمكن الدفاع عنهم.."، كثيرون لم يصدقوا، لكن مي رحلت وهي مدركة تماماً أنها ستعود إلى مشاهديها، إلى محبيها، إلى مهنتها.

تركت الـ"ال.بي.سي" ولم تذهب إلى مكان آخر، إلى بيت آخر، انكفأت عن الاعلام وعن الشاشات، لتأخذ قسطاً من الراحة، تستحقه بعدما عانت الكثير قبل محاولة الاغتيال وبعدها، ولكنها أدركت منذ اليوم الأول لاستقالتها أن استراحتها لن تدوم طويلاً، لأنها ما اعتادت العيش بعيداً من هموم السياسة وشجونها، وفراقها "الشاشة الصغيرة" أصعب عليها من أي شيء آخر.

مي شدياق، ستعود اليوم، في الذكرى الرابعة لمحاولة اغتيالها، بعد أن استكملت كل التحضيرات لاطلاق مؤسستها الإعلامية التي تريدها أن تكون "مكتملة البنيان والتنظيم والادارة لترفع التحدي في وجه من قرر الغاءها من الوجود وازالة فعلها كصحافية في استنهاض الرأي العام".

في المشروع الذي ستبدأه مي، محاولة لـ"دعم الصحافيين الشباب المحترفين وتزويدهم مهارات مهنة الصحافة، لكي يتمكنوا من تحقيق التفوق في ادائهم الصحافي وانجاز تغطيات كاملة للاخبار والمعلومات والاحداث، بما يؤمن مصادر اعلام مستقلة للرأي العام"، الامر الذي تعتبره "أساسيا في معركة الحريات والديموقراطية وتشكل الرأي العام وصونه ودفعه الى الامام في لبنان".

تسعى الشهيدة الحية عبر مؤسستها الجديدة إلى "قيادة الصحافيين الشباب الى النقطة التي انطلق منها رواد الصحافة في لبنان والذين تمكنوا من التأثير في الصحافة والاعلام على مساحة العالم العربي". لأن "صناعة الاعلام لم تعد مسألة اعلامية بحتة بل هي تتداخل مع القطاعات الاخرى في شكل يفوق ما كان متوقعاً لها، وخصوصاً في مسائل اساسية تتصل بالفكر الانساني واحترام حقوق الانسان وقيمه والنضال من اجل هذه الحقوق الطبيعية والمكتسبة، والتي لا يمكن لها ان تزدهر وتنتعش من دون اعلام حرّ ومحترف قادر على تلقف الخبر، والتقاط المشهد ونقله بكل امانة وصدق وانفعال واحتراف الى الرأي العام".

في الذكرى الرابعة لمحاولة اغتيالها، تطلق الشهيدة الحية "مؤسسة مي شدياق معهد الإعلام"، لترد على الإجرام، بحضارة الكلمة ونقائها.

أيمن شروف

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل