القوّات تجتاز الحدود
لم يكد قائد القوات اللبنانية سمير جعجع يرفع ذراعه في حفل ماجدة الرومي في الجامعة الأميركية في بيروت منفعلاً مع أغنية «راجع راجع يتعمر لبنان» حتى أطفأت ريتا التلفزيون، مرددة: هذا يريد إعمار لبنان! هذا دمّر لي منزلي. يستفزّ المشهد ريتا لكن جعجع لا يبالي، يحيط نفسه بجيش من الشباب لإعادة إعمار قوات لبنانية جديدة وفي عينه إعادة إعمار لبنان يشبهه. اليوم يقدمون استعراضاً شعبياً عند أقدام البطريرك الماروني نصر الله صفير يبرز نمو الذراع التنظيمية التي يهتم بها جعجع عن قرب، وغداً ينظمون مؤتمراً شبابياً يكمل الصورة الجديدة التي يريد القواتيون أن يتطبّعوا بها لمحو الصور القديمة، ودفعت جعجع قبل عام إلى الاعتذار (الناقص) العلني الأول من نوعه في لبنان لأمير حرب. ففي وقت تتجه فيه العيون صوب حريصا لمشاهدة «العرض»، يواظب وسام حبشي وإلسي عويس وبشير ورديني وشربل كرم وبرلا حرفوش، وغيرهم ضمن مجموعة تتألف من 15 شاباً يعملون ضمن دائرة العلاقات العامة والخارجية في مصلحة الطلاب في القوات اللبنانية، على الإعداد لمؤتمر شبابي لبناني ـــــ دولي (عنوانه «اجتياز الحدود» ويعقد بين 1 و5 تشرين الأول). هؤلاء الشباب قرروا قبل 3 سنوات «التعرف إلى العالم» فأعدّوا، بداية، بحثاً عبر الإنترنت عن تفاصيل الحياة الحزبية في دول ديموقراطية عدة، وبسرعة بدأوا التواصل عبر البريد الإلكتروني مع اللجان المتخصصة في أهم الأحزاب في بعض تلك الدول. وخلال بضعة أشهر نظّموا روزنامتهم وبدأوا تلبية دعوات إلى مؤتمرات حزبية حول العالم، وباشروا بزيارات إلى دول يصفونها بالأساسية، مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا للتعرف إلى تجارب الأحزاب الحاكمة فيها. إضافة إلى دعوتهم بعض معارفهم الجدد إلى لبنان.
فاستضافوا خلال 3 سنوات أكثر من 25 وفداً حزبياً من نحو 20 دولة. وطبعاً كانوا يجتهدون أمام هذه الوفود لعرض وجهة نظر القوات لمختلف القضايا المحلية والإقليمية، وللتبشير بضرورة دعم هذه الوفود للبنانهم. ويشرح رئيس دائرة العلاقات العامة والخارجية في القوات وسام حبشي أن بعض الطلاب الأجانب الذين تعرفوا إليهم قبل 3 سنوات تدرجوا في نشاطهم الحزبي وصاروا نواباً أو مسؤولين مقربين من صناعة القرار في أحزابهم. وصدف أن توطدت بعض العلاقات بين شباب القوات وشباب من أحزاب حاكمة في بلادها، فوفّر ذلك جسوراً إضافية لقيادة القوات التي وجدت لديها خلال فترة قياسية سفراء فوق العادة في دول أجنبية أساسية. ويلفت حبشي إلى أن معظم الناشطين في دائرته متخرّجو علاقات دولية أو مفاوضات استراتيجية، ما سهّل تواصلهم مع العالم ومكّنهم من كسب ثقة محاوريهم، مؤكداً أن الانفتاح على دول «البحبوحة الديموقراطية» كان قرار المجموعة لا قراراً استراتيجياً من قيادة القوات التي تابعت عملهم من دون توجيهات مباشرة. ويكشف أن هذه القيادة تكفلت نفقات الزيارات إلى عواصم العالم وكلفة الدعوات الخاصة للحزبيين، إضافة إلى ترحيبها بعقد المؤتمر الحالي وعدم التردد في تحمل نفقاته (يستضيفون 65 شخصاً يمثلون 35 حزباً في 25 دولة لخمسة أيام، يتنقلون خلالها بين البقاع وجبل لبنان وبيروت والشمال)، مع العلم بأن المؤتمر يتضمن مقابلات سياسية (لقاءات مع الرئيسين ميشال سليمان وفؤاد السنيورة، سمير جعجع والبطريرك صفير)، ورش عمل حول الهموم الشبابية المشتركة، التواصل بين الشرق والغرب، العلاقات المسيحية ـــــ الإسلامية، العلاقات بين حوضي البحر المتوسط، تاريخ لبنان وأهم اللاعبين في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، إضافة إلى جولات سياحية. ومساءً سيحرص القواتيون على تأكيد صحة ما شاهدوه عبر الـ«سي إن إن» لضيوفهم عن أن بيروت أهم مدينة سهر في العالم. قبل أن يختتم المؤتمر بتوقيع اتفاقيات تعاون متعددة بين القوات وتلك الأحزاب خلال حفل عشاء يحضره سفراء الدول المشاركة.
في النتيجة، يدل مهرجان اليوم والمؤتمر على الاجتهاد القواتي للخروج من الأسر. وفي هذا السياق تقدم القوات نموذجاً لدور سياسي يتجاوز الانتخابات الطالبية، يستطيع الشباب القيام به إذا توافرت لديهم الإرادة من جهة، وثقة القائد ودعمه المادي من جهة أخرى. فمقابل حماسة شباب القوات يعجز أحد أبرز الأحزاب المسيحية المناوئة للقوات عن الإعداد لمؤتمر محترم يجمع مندوبيه في الجامعات، ويتهم رئيس الحزب أحد أهم مسؤولي الطلاب الذين مرّوا في هذا الحزب بالسرقة من دون تقديم أي دليل، وتمر أشهر دون أن يحدد سكرتير الرئيس موعداً لمسؤولي طلاب سابقين في هذا الحزب يودّون لقاء الرئيس أو حتى السكرتير.