#adsense

المطران أبو جوده: هل أدركنا انه جميل ان نموت من أجل الوطن، ولكن الأجمل ان نحيا من أجله؟

حجم الخط


المطران أبو جوده: هل أدركنا انه جميل ان نموت من أجل الوطن، ولكن الأجمل ان نحيا من أجله؟

اكّد النائب البطريركي العام المطران رولان أبو جوده أن لا حياةَ لمسيحييّ الشّرقِ من دونِ لبنان، وجبالهِ، وأَوديتهِ ونُسّاكهِ وَنسُوره الشّهداءِ، الذين ماتوا من أَجل لبنان، ماتوا على الصَّليب. ضَحُّوا بذواتهم ليبقى لبنانُ، وَليطمئنَّ أَهلُه إِلى حياةٍ كريمة.

وفي كلمة القاها خلال تمثيله البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في القداس الاحتفالي السنوي لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية في مجمّع "فؤاد شهاب الرياضي" في جونيه، سأل أبو جودة: "هل كُتب على لبنان أن يبقى رمزا للمصلوب بين شرق يفقد قلبه وغرب يستعيد وثنيته ؟ هل أدركنا انه جميل ان نموت من أجل الوطن، ولكن الأجمل ان نحيا من أجله؟

وإعتبر المطران أبو جودة "أن المحزن أن مأساة البلاد لا تُدبّر وحسب ، بأصابع خارجية، إنما وصلت المكوّنات في الداخل إلى حال من التشرذم والتناقض، والتصادم، عرّضت الحكم لصعوبات تكاد تكون غير مسبوقة، وجعلت الحكومة مبعثرة كالزجاج، وأظهرت لبنان كأنه مجرّد تسوية هشّة".

واعلن المطران أبو جودة "قرع ناقوس الخطر وحمّل جماعات الداخل مسؤولية البحث عن حلول عملية لأزمة تداخل فيها الدولي بالاقليمي بالمحلي، وتحوّل مجتمعنا، وسط الصخب والفوضى، إلى ساحة التخاطب السطحي، ولصبّ الزيت على النار، ولتحريك الغرائز".

النص الحرفي لكلمة النائب البطريركي العام،سيادة المطران رولان أبو جوده:

1 – شاءت القوات اللبنانية أن تقيم هذا القداس الاحتفالي السنوي لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية برعاية صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك انطاكية وسائر المشرق، الكلّي الطوبى. فشرّفني اذ كلّفني أن احتفل بهذا القداس باسمه وأنقل مشاعره الأبوية إلى قائد القوات اللبنانية وذوي الشهداء كافة.

2 – وتجدر الملاحظة أن القوات اللبنانية، للسنة الثانية، بتخطّيها شهداءها الخاصين بها لتذكر جميع شهداء المقاومة اللبنانية، تعرب بذلك عن محبة تشمل جميع الذين استشهدوا في سبيل لبنان.

أولا: الوفاء للذّكرى

1 – فنقف معاً لنصلّي من أَجل راحة أَنفُسِ الذين ضَحُّوا بذواتهم ليبقى لبنانُ، وَليطمئنَّ أَهلُه إِلى حياةٍ كريمة، مستقرَّةٍ، لا اضطّهادَ يُهجّرُهم، ولا فقرَ يَقتلُهم. وهذه الوقفةُ تتكرَّرُ، لأَنّ المجتمعَ الحيَّ، والأُمّةَ التي تستحقّ البقاءَ، لا يَتجاهلان شُباناً كالصُبحِ جمالاً، كصخور الجبل صلابةً، كالأرزِ شموخاً، لم يَسأَلوا عن جاهٍ أَو مال أَو مصالحَ ذاتيّةٍ، فاندفعوا يَحضنونَ الأَرضَ بأَجسادهم وبأَرواحهم، ويُعلّمون الأجيالَ أَنَّ الأَنانياتِ تَهدِمُ والتَّضحياتِ تَبني… أَنّ للكرامةِ ثمناً، ما أَبهاهُ، أَمامَ الأَثمان التي يَفرضها الذلُّ الذي يُدمّرُ الأَفرادَ والمجتمعات.

2 – وفي تراثنا ما يوضحُ هذه القيمَ الرائعةَ، وما يَقْدِرُ البطولاتِ النَّادرةَ، فقال الخوري بطرس البستاني (1876-1933):
«سَوادُ العينِ، يا وَطني، فِداكا! وقلبي لا يَودُّ سوى عُلاكا
عليكَ وَقفتُ، يا وطني، حياتي؛ وما أَشهى المنيّةَ في رضاكا»

3 – وإِذا كُنَّا نذكرُ بعضَ شهدائنا، في الزَّمانِ العثماني، يومَ أَذَلّ التركيُّ هذه الأَرضَ الكريمة، وشرّدَ إِنسانَها، وخرّبَ الحياةَ في أَرجائها… فما الذي نقولُه عنِ الذين عايشناهم، في زماننا المعاصر، منذُ 1975، ولمسنا بأَعيننا، وبالقلوب، الحماسةَ والفروسيَّة، وقد سَطَّرتا بالدِّماءِ، تاريخاً جديداً مجيداً للبنانَ، على الرُّغم ممّا نُشاهدُ حولنا وعندنا من أَزمات وتحدّيات متراكمة؟

ثانيا: حالتنا المتأزمة وطريقة الخروج منها

1 – واذا بالأزمات عندنا، ويا للأسف، تتوالى منذ سنوات، وتتنوّع وتتعدّد، وحتى الساعة ما زلنا في وضع متأزم، خانق، لا نحسد عليه.

2 – أفلا يستحق وطن الأرز ان نحميه، ونبقيه واحة فرح ومجد وثقافة، والكتاب في ذروة اناشيده تغنّى به وبجماله: "هلمي معي من لبنان ايتها العروس ، هلمّي معي من لبنان " .

3 – إننا لفي حاجة عميقة إلى التفكّر في مصير لبنان، والأجيال الآتية بعدنا، ماذا تركنا لهم لكي يشعروا بالطمأنينة، في هذا الشرق المنقسم على ذاته، المعرّض لهزّات كيانية؟ وكيف سلكنا، والتاريخ سيحاسبنا على مواقفنا:

أ – هل آثرنا الحقيقة على مصالحنا الخاصّة؟
ب-هل تعاطفنا مع شعب يعاني منذ 1975 الهجرة وقساوة العيش، وظلم الدوليين والإقليميين، يتصارعون غير مبالين بالدول الصغيرة، ولو مستقلة؟
ج- وهل كُتب على لبنان أن يبقى رمزا للمصلوب بين شرق يفقد قلبه وغرب يستعيد وثنيته ؟ هل أدركنا انه جميل ان نموت من أجل الوطن، ولكن الأجمل ان نحيا من أجله؟

4 – والمحزن أن مأساة البلاد لا تُدبّر وحسب ، بأصابع خارجية، إنما وصلت المكوّنات في الداخل إلى حال من التشرذم والتناقض، والتصادم، عرّضت الحكم لصعوبات تكاد تكون غير مسبوقة، وجعلت الحكومة مبعثرة كالزجاج، وأظهرت لبنان كأنه مجرّد تسوية هشّة.

أ – وأكثر ما يحزننا أن المواقف الوطنية الصافية الراقية، الجامعة، المتفهّمة، المحاورة، المشتعلة بالمودّة بعضنا لبعض لا تزال مغيّبة، وقد نجح الآخرون في زرع أسباب الخلاف بين أهل لبنان.

ب – واذا بالطائفية والمذهبية تعود إلى الواجهة كما لو كان لبنان قادراً على تحمّل هذه المشكلات؟

5 – إننا نقرع ناقوس الخطر ونحمّل جماعات الداخل مسؤولية البحث عن حلول عملية لأزمة تداخل فيها الدولي بالاقليمي بالمحلي، وتحوّل مجتمعنا، وسط الصخب والفوضى، إلى ساحة التخاطب السطحي، ولصبّ الزيت على النار، ولتحريك الغرائز. ويحضرني، هنا، نصّ للأديب ميخائيل نعيمة قال: "الحب والحرية والجمال آيات خطّها الله بأحرف من نور على جبينك يا لبنان . أفلا من يقرأ ؟ أفلا من يفهم أنه من الحيف ان يستقل بك أناس همّهم الأكبر أن يجعلوك ريشة في مهب المطامع والأهواء، وأن يُقال فيهم انهم أذكياء؟ وانت، بما أغدَقَتْه عليك يد الله السخية من فتنة وسلام حريّ بأن تكون مسكنا للعباقرة والأنبياء… عفوك ثم عفوك يا لبنان!"

6 – واليوم لا أحد يعتذر منه ، بل الكثيرون يهتفون :"اصلبه … اصلبه" ، وليعلم الجميع أنه متى سقط هذا الوطن، وفقد مسوّغ وجوده أرضا للتنوع والغنى ونشر المعرفة، فإن الخيبات ستضرب الكل من دون استثناء، وإن المنطقة ستخسر تجربة أرادها الله، وشوّهها الإنسان، وطعنها حتى الموت، فمن له أذنان فاهمتان فليفهم قبل فوات الأوان!

7 – وقبل أن يفوت الأوان، هنالك امكانية الالتزام بإنهاض لبنان عبر ما جاء في "شرعة العمل السياسي في ضؤ تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان" :
أ – نصّت المادة 21 :" يقتضي واجب إنهاض لبنان من كل الذين يتعاطون السياسة والشأن العام أن يتمسّكوا بمبادئ الحوار وحلّ الخلافات في إطار المؤسسات الدستورية، رافضين الاحتكام إلى أي شكل من أشكال العنف والصدامات المسلّحة، ويعتمدون على الجيش وقوى الأمن الداخلي دون سواهم للمحافظة على أمن المواطنين والاستقرار. وعليهم أن يرتقوا بخطابهم السياسي إلى مستوى المسؤولية الاخلاقية والوطنية الجامعة ، مجنّبين لبنان مساوئ تحريك الخلافات والنتائج الانتخابية إلى أزمات سياسية على مستوى الوطن كله".

ب- كما جاء في المادة 22 ، ب: "يوجب إنهاض لبنان على السلطة السياسية : العمل على تحييد لبنان عن الانجراف في سياسة المحاور الاقليمية والدولية، وعن التمحور في احلاف خارجية تخوض صراع مصالح ونفوذ على ارض لبنان وعلى حسابه . ولجعل لبنان بلداً نموذجياً للحوار العالمي وملتزما قضايا السلام والعدالة وترقّي الشعوب".

8 – ولا ننتظرن بعضنا البعض، أو أحدنا الآخر، لأخذ المبادرة بل على كل منا ان يكون هو البادئ فيقتدي به الآخرون مدركين أننا "بخلافنا نتحطّم وباتفاقنا نسلم". فنتنازل عن انانياتنا، ونضحي بمصالحنا الفئوية او الحزبية، ونتسامح ونتشاور ولا يغربن عن بالنا ان التنازل والتضحية في سبيل الخير العام قد يحدثان ألماً ويعنيان حمل الصليب.

ثالثا : حَمْلُ الصّليب

1 – وفي كل حال ، نحن في حياتنا، كما كانَ سمعانُ القَيرواني، شركاءُ في حملِ صليب يسوعَ ، وهذه النعمةُ يا أَحبائي، لا تَعني خسارةً، على الرُّغم من المعاناة، لأَنّ يسوعَ نفسَهُ أَكَدّ لنا: «لكنّ مَنْ يخسرُ نفسَهُ من أَجلي ومن أَجل الإِنجيل، فإنّه يجدُها» ، وقال أَيضاً: «مَن لا يحملُ صليبَهُ لا يُمكنُه أَن يكون تلميذاً لي» .

2 – ومع قبولنا بالشَّهادةِ مَصلوبين، نكونُ قَبلنا قيامةَ المسيح، وانتَصْرنا معه على الموت، وهو ينادي كُلاًّ مِنّا كما نادى مريمَ المجدليّة التي جاءَت تبكي عند قبره، معتقدةً أَنّه ميت، كي لا نبحثَ عنه، وهو الحيّ، بين الأًموات، وإلاّ كان كلُّ إِيماننا ورجائنا باطلاً .

3 – ولذلك لا بُدَّ من أن نرّدد مع بولس الرّسول: «مع المسيح صُلبتُ، وفيما بعد لا أَحيا أَنا بل المسيحُ يحيا فيَّ، ] … [ هو الذي أَحبّني، وبذلَ نفسَهُ عَنّي" . وكان بولسُ يَعلُم أَنّه يُعايشُ «جيلاً منحرفاً فاسداً» ومع ذلك فقد حَثّ مؤمني فيليبي على أن يُضيئوا وسَطَ هذا الجيل، كأَنوارٍ في العالم، حاملين كلمةَ الحياةِ ليكونوا موضعَ فخرٍ أَمام المسيح .

4 – وما أَكثر ما أبدَى بولسُ استعدادَه للشهادةِ حتى الاستشهاد قال: «حتى لو سُفِكَ دمي سَكيباً فوق ذَبيحةِ إيمانكم وخدمَتِه، فإنّي أَفرحُ وأَبتهجُ معكم جميعاً» ، والّذينَ سفكوا دماءَهم، من شهداءِ المقاومة اللبنانية، كانوا مدركين أَنّ الصّليب وأَبناءَه يَزيدونَ لبنانَ جمالاً وقيامةً. وأني اتخيل الشهداء الذين افتدوا هذه الارض المباركة ، لابسي الحلل البيض، ينضمون إلى اولئك الذين يعبدون الله، ليلا ونهاراً في هيكله. وقد تساءل يوحنا في الرؤيا: "أتعلم من هم هؤلاء؟"، فكان الجواب: "انهم الآتون من الضيق الشديد وقد غسلوا ثيابهم وبيّضوها بدم الحمل، لذلك باتوا والجالس على العرش يبسط ظله عليهم فلا يجوعون ولا يعطشون ولا تضربهم الشمس، ولا اي حرّ، لأنه الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم ويقودهم إلى ماء ينابيع ماء الحياة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" .

5 – ولا حياةَ لمسيحييّ الشّرقِ من دونِ لبنان، وجبالهِ، وأَوديتهِ ونُسّاكهِ وَنسُوره الشّهداءِ، الذين ماتوا من أَجل لبنان، ماتوا على الصَّليب، كما قال جبران في نَصّه الممَّيز: «مات أهلي»، حيثُ وصفَهم بالسَّائرينَ في موكب الموتِ نحو مجدِ الاستشهاد، في فضاءٍ تملأُه أَنفاسُ الأَرز، لكنّ الأفاعي، على حدّ تعبيره، نفست فيه السُّموم. ومَن منكم لم يقرأه يكّرر:

«ماتوا صامتين لأَنَ آذانَ البشريّةِ قد أُغلقت دونَ صُراخهم
ماتوا لأَنَّهم كانوا مُسالمين
ماتوا وأَكفُّهم ممدودةٌ نحو الشرّق والغرب، وعيونُهم محدّقّةٌ إلى سوادِ الفضاء» .

خــاتمة
هذا الواقعُ المأسويّ، وهذه الرؤيةُ، كأَنّهما قدَرُ أبناءِ هذه الأَرض المقدَّسةِ التي أَعطتِ الشّهداءَ كما تُعطي الثِّمار… والمجد… وسوفَ تستمرُّ في العطاء! وسوف نستمر في الصلاة لكي نستمر رسل المحبة والإبداع في هذا الشرق حيث لآبائنا جذور ونسّاكنا نور ولأجيالنا العزيمة العميقة القادرة على الصمود والبقاء. آمين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل