عشّاق الحرية
لم يكن أمراً صحياً التأثير الذي تركه ولا يزال نبأ زيارة الرئيس السوري بشار الاسد للسعودية في مجرى الاحداث الداخلية. فهو ان دل على شيء فعلى ان الازمة السياسية تدفع الامور في اتجاه البحث عن تدخل خارجي عندما توصد الابواب أمام حل داخلي، علماً ان الحكومتين السعودية والسورية غداة اجتماع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والاسد لم تتأثرا اطلاقاً بادارة شؤون البلدين. كما ان ايران التي طُرح تساؤل عما اذا كانت راضية أم غاضبة بعد تحرك حليفها السوري في اتجاه المملكة، لم تغيّر قيد أنملة توجهات نظامها ولاسيما في ملفها النووي المثير للجدل.
في لبنان كان المشهد مختلفاً. وبسرعة تفوق سرعة الضوء دخل نبأ الزيارة في نسيج المشهد الداخلي. وذهب فوراً الى موضوع تأليف الحكومة الذي يمضي الآن فترة الاستشارات التي يجريها رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري. وبات لازماً السؤال يومياً: كيف تترجم نظرية الـ"س. س" تسهيلاً أم تعقيداً؟ وانقسم القوم على أنفسهم، بين متوقع المعجزات، أو المفاجآت، أو الاستحالات. فإذا ما ولدت الحكومة في وقت قريب نسب الفضل الى النظرية، واذا لم تولد ارتبط السبب بالنظرية ايضاً. أما اللبنانيون فهم معفيّون من أي مسؤولية، وكأنهم غير موجودين اطلاقاً!
هل تُدار البلاد على هذا النحو؟ الجواب بالتأكيد سيكون لا. لا بسبب الاستخفاف بالتقارب السعودي – السوري أو تباعده، بل لأن أمر لبنان أكبر من أن يدار بهذه الطريقة. وأقرب مثال هو حركة 14 آذار عام 2005 التي أدارت الظهر لكل نظريات ادارة لبنان قبل هذا التاريخ، فغيّرت مجرى تاريخ لبنان. ومرة أخرى المطلوب التدقيق في هذا الحدث التاريخي. ولم يتأكد حتى الآن ان الغرب عموماً والاميركيين خصوصاً كانوا مع الرحيل العسكري السوري عن لبنان، بشهادة ما قاله بعد اسابيع من حدث 14 آذار السفير الاميركي جيفري فيلتمان الذي يحتل اليوم منصباً رفيعاً في الخارجية الاميركية. فقد عبّر عن دهشته أن يتم الرحيل فيما كان متوقعاً فقط إعادة انتشار القوات السورية الى سهل البقاع.
ما قاله امس رئيس كتلة زغرتا النائب سليمان فرنجيه بعد استشارات ساحة النجمة ان المعارضة "لن تتراجع عن مطالبها" التي تعيد الى الواجهة العقد التي أدت بالحريري الى الاعتذار، يشبه ما قاله الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في 8 آذار 2005 في مهرجان الوفاء لسوريا، والذي أعاد الى الواجهة ان الواقع لن يتغيّر عما كان عليه قبل الرحيل العسكري السوري عن لبنان. انها فصول متوالية في التاريخ، أكان حديثاً أم قديماً، فعندما انهارت السيطرة العثمانية على هذه البلاد بقي طويلاً من يدافع عنها. وكذلك الحال عندما أزف موعد زوال الانتداب الفرنسي الذي بقي طويلاً ايضاً حاضراً وبقوة من خلال جمهور كبير مؤيد له.
الآن، الحنين يعود الى زمان الوصاية السورية التي تدير ايضاً الوصاية الايرانية. ومع الحنين تعود الظنون بوصايات على امتداد العالم من الشرق الى الغرب. لكن كل ذلك لن يخفي حقيقة اللبنانيين الذين تمردوا في 14 آذار 2005 وواصلوا التمرد بعد هذا التاريخ، ولاسيما في 7 حزيران الماضي حين أسقطوا وهم "الأكثرية الوهمية".
لكن من الوهم الاعتقاد ان عشّاق الوصايات قد تعبوا. انما على المراهنين على عشق دائم أن يتذكروا ما آلت اليه الامور مع عشّاق السلطنة العثمانية والانتداب الفرنسي والاحتلال الاسرائيلي. وهناك ما يكفي من القوة ليخيّب اللبنانيون الظن بأن عشّاق حرية لبنان قد تعبوا مهما طال المسير الى قيام الحكومة الاستقلالية الجديدة.