بين الحريري و"باب الحارة"!
درجت العادة في دارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قريطم سنوياً وفي كل إفطار رمضاني على تخصيص طاولات لطلاب من دور الايتام والمؤسسات الانسانية. واستمر الرئيس المكلف سعد الحريري بهذا التقليد، وكان يحرص بعد كل إفطار على تخصيص بعض الوقت لهؤلاء المدعوين، إذ يستقبلهم في إحدى صالات الدار ويتحدث اليهم، ثم يقدم اليهم هدايا رمزية تتلاءم وسنّهم، ومن الاسئلة التي كان يطرحها عليهم يومياً، واحد يتعلق بالمسلسل التلفزيوني الذي يتابعونه في رمضان والعبر التي يستخلصونها منه.
وذات يوم من شهر رمضان الاخير، وكانت الدعوة مخصصة لنقابتي الصحافة والمحررين والاعلاميين، التقى الرئيس المكلف عدداً منهم حول فنجان قهوة بعد الافطار. وخلال دردشة حول الاوضاع العامة وخصوصاً المساعي المبذولة لتأليف الحكومة، وعندما قال الحريري رداً على سؤال: "نحن والرئيس ميشال سليمان حال واحد"، حاول أحدهم الغمز من قناة انفتاح رئيس الجمهورية على سوريا، وقد صادف أن أعلن في اليوم نفسه عن اتصال أجراه بالرئيس بشار الاسد، فأجابه الحريري: "ومَن قال إنني ضد الانفتاح على سوريا؟" وذكّره بما قاله فور اعلان نتائج الانتخابات النيابية رداً على سؤال عن علاقته بسوريا في حال توليه رئاسة الحكومة، بأنه سيتصرف من هذا الموقع وسيتعامل مع دمشق كرئيس للحكومة اللبنانية.
وبعد تلك الدردشة، دعا الحريري الاعلاميين الى مشاركته في لقاء أطفال دار الايتام، وقال مازحاً: "العام الماضي طلبوا مني مهند ونور (بطلا مسلسل تلفزيوني تركي وقد لب الطلب) أخشى أن يطلبوا مني اليوم باب الحارة (مسلسل سوري تاريخي يعرض صوراً من حارات الشام في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي)… مشكلة".
ولدى التقاط الصورة مع الاطفال سألهم الحريري: "ماذا تشاهدون على التلفزيون في رمضان؟" فأجابوا بصوت واحد: "باب الحارة". وسألهم: "مَن تحبون أكثر في هذا المسلسل؟"، أجابوا: "معتز".
وما اسمه الحقيقي؟ أجابوا: "وائل شرف". وهل تريدون التعرف اليه؟ أجابوا: "نعم".
وبدا واضحاً من خلال تلك الوقائع ان الحريري أراد توجيه أكثر من رسالة، ليس فقط في اتجاه دمشق، إذ حرص في سياق الدردشة مع الاعلاميين على التذكير بمواقفه من العلاقات اللبنانية – السورية والتي "يجب أن تكون صريحة وواضحة وأكثر من طبيعية ومبنية على التوازن والاحترام المتبادل"، وكذلك التذكير بمواقفه المعروفة من المحكمة الدولية والقبول بكل ما يصدر عنها في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الشهداء بعيداً من أي تسييس، وأن يكون تعامل الجميع مع المحكمة "لا انتقائياً ولا استنسابياً".
وقد استذكر كثيرون هذه المواقف للحريري مع معاودة الحوار السعودي – السوري من خلال الزيارة الحدث للرئيس بشار الاسد لجدة قبل ايام والتي قلبت الامور راساً على عقب، والقمة السعودية – السورية المتوقعة في دمشق بينه وبين العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، والانعكاسات الايجابية المباشرة لهذا التقارب على الصعيد اللبناني، وأوّلها تسهيل تأليف الحكومة. وأولى بشائر هذه الايجابيات انعكست هدوءاً في تصريحات السياسيين ورؤساء الكتل النيابية، وخصوصاً بعد مشاركتهم في الاستشارات التي يجريها الرئيس المكلّف.
ومن البديهي أن السياق الطبيعي لهذه التطورات بعد تأليف الحكومة، سيستكمل بمصالحة بين الرئيس الاسد والرئيس المكلف سعد الحريري في دمشق التي سيزورها "تلبية لدعوة كريمة من القيادة السورية"، وبالتأكيد بدعم ومؤازرة، وبمباركة ورعاية من السعودية، وهذا ما كان متوقعاً مباشرة بعد "التكليف الاول" وقبل تعثر الحوار السعودي – السوري، والذي انعكس تعثراً في تأليف الحكومة، واعتذاراً وإعادة تكليف…
ويبقى الأهم أن يتمكن السياسيون في لبنان، موالين ومعارضين، ومعارضة، من التقاط تلك اللحظة السياسية الاقليمية الملائمة، والاستفادة منها في العمل جديّاً نحو تحقيق الأمان والاستقرار في لبنان، بدءاً بوضع حدّ للتهويل المبرمج على اللبنانيين بصراعات طائفية ومذهبية، وبشكل مفتعل ومبالغ فيه من بعض السياسيين، اذ يبدو احياناً اقرب الى التحريض، بمناسبة وغير مناسبة، تبريراً لغايات ومآرب شتى، غالباً ما تكون سياسية شخصانية، وأقل ما يقال فيها إنها استخفاف بعقول الناس وتلاعب بمصائرهم!