سمير جعجع الرقم الصعب في الحياة السياسية اللبنانية

 سمير جعجع الرقم الصعب في الحياة السياسية اللبنانية

كتب فؤاد أبو زيد في "الديار": أحببته أم كرهته، صادقته ام خاصمته، توافقت أو اختلفت معه، جميع هذه الحالات المتناقضة ‏غير قادرة مجتمعة أو منفردة ان تمحو ان سمير جعجع كان وما زال وسيبقى الى وقت ليس بالقصير، ‏رقماً صعباً جداً في الحياة السياسية اللبنانية، لا يمكن لأي طرف داخلي أو اقليمي ان يلغيه ‏او يهمّشه او حتى يضعفه، لأن المقوّمات والقيم التي جعلت منه رقماً صعباً، هي أقوى من ‏الالغاء والتهميش وعصية على محاولات الاضعاف، لانها قائمة على ركائز ثلاث اساسية لا تتوفر ‏الاّ في قلّة من القيادات التاريخية.‏

الركيزة الاولى أن سمير جعجع هو وريث حالة نضالية بدأت منذ قدوم الموارنة الى ارض لبنان، ‏وبدء ملحمة الحرية والسيادة والكرامة والعنفوان، ومن هنا يفهم استمرار تعلّق المقاومة ‏اللبنانية والقوات اللبنانية بالكرسي البطريركي الانطاكي والبطاركة العظام.‏

الركيزة الثانية ان تكوين سمير جعجع الفكري والثقافي والروحي والوطني والاستراتيجي، جعله ‏يتخطى المراحل الطبيعية التي تصهر الانسان العادي وتحوّله الى قائد، خصوصاً انه عمّد كل هذه ‏الصفات بالتعب والسهر والعرق والدم والالتصاق بمعاونيه ورفاقه حتى الذوبان.‏

الركيزة الثالثة ان القاعدة القواتية على الرغم من حملات الانقضاض على سمير جعجع، من ‏داخل القوات ومن خارجها، آمنت ان من قدّم زهرة شبابه وصحته ودمائه وحريته وعائلته في ‏سبيل المقاومة اللبنانية ضد أعداء لبنان والانسان والوجود المسيحي الحر، هو وحده المؤهل ‏ليقود العصب اللبناني والمسيحي في السنوات العجاف المقبلة.‏
‏****‏
ملامح انطلاق فورة القوات اللبنانية ونهوضها من رماد القتل والسجن والملاحقة، بدأت في ‏قداس شهداء المقاومة الذي اقيم في ساحة بكركي منذ سنوات، حيث ضاقت الساحة والطرق ‏المؤدية إليها بآلاف القواتيين الذين حملوا اعلامهم وآمالهم وصعدوا الى بكركي يبايعون ‏البطريرك صفير وقائدهم الدكتور سمير جعجع.

وتجدد اللقاء والبيعة في قداس السنة الماضية في ‏مجمع فؤاد شهاب الرياضي، وسمع من قال، معلّقاً على الحشود القواتية يومها، ان وعاء ‏القوات امتلأ، ولم يعد هناك مجال لاضافة، خصوصاً ان التيار الوطني الحر وحلفاءه، كان قد ‏خرج من الانتخابات النيابية في العام 2005 بشعبية مسيحية كبيرة، ولم يتأخر القواتيون ‏طويلاً في الردّ، حين حطّموا في انتخابات حزيران لهذه السنة، جميع التوقعات واستطلاعات الرأي، ‏وسجّلوا في جميع الدوائر التي انتصروا او خسروا فيها، ارقاماً اذهلت الاقربين والابعدين، ولم ‏يكتفوا حتى أتت بالامس المناسبة الأغلى على قلوب القواتيين وهي اقامة الصلاة على ارواح ‏شهدائهم الذين فرضوا بشهادتهم ان يستمر رفاقهم واهلهم ومواطنوهم متمتعين بحريتهم ‏واستقلالهم وسيادتهم ووجودهم على هذه الارض المقدسة.‏

قد تكون القوات اللبنانية عناصر وقيادات، قد أخطأت كثيراً في مسيرتها النضالية الطويلة ‏الشاقة، ولكنها وهي ترتكب هذه الاخطاء، لم تضيّع البوصلة ولم تحد عن الثوابت، ولم تبدّل ‏جلدها، وبقيت همومها هي ذاتها منذ انطلاقتها وحتى اليوم، حرية لبنان وسيادته واستقلاله ‏وقراره الحر، وقيام الدولة القوية، واستمرار الوجود المسيحي الحر في لبنان والشرق، وفي ‏هذه المسيرة سقط العديد من الشهداء، كما سقط العديد من الضعفاء، وقليلي الايمان، وقد ‏تصادف في اي ساعة وفي اي مكان قواتيين يخطئون ويتجاوزون، ويضعفون، ويبيعون ايمانهم ‏وعقيدتهم بمنصب او بمال، ولكن المسيرة الكبيرة الحاشدة المؤمنة مستمرة، خصوصاً انها اسلمت ‏امرها ومصيرها الى قيادة خضعت لاكثر من معمودية بالنار والدم والسياسة والتضحية وهي ‏بشّرت القواتيين، بأنهم سيتأطرون قريباً في حزب وضعت له كل اسس الحداثة والديموقراطية ‏والتنظيم، وهي حالات لا يتمتع بها مطلق حزب في لبنان او العالم العربي.‏

ان الاحزاب في لبنان كما الطوائف، نعمة ان هي عملت من اجل الدولة والوطن، ونقمة ان هي ‏خطفت الدولة والوطن والطائفة، وبمقدار ما تقوى وتنتعش وتتمدد الاحزاب التي تتكلم ‏لبنانياً، نقترب من تحقيق حلم قيام الدولة القوية الواحدة التي تعيد امجاد لبنان الذي ‏لطالما كان هو التاريخ.‏

فؤاد ابو زيد

 

 

المصدر:
الديار

خبر عاجل