#adsense

التعطيل والسأم: بعد الانتخابات تراجع معنى “السياسة”

حجم الخط

الاستقلال استقلالان: رفع للتدخل الإقليمي ومناعة بإزاء التقلبات الإقليمية
التعطيل والسأم: بعد الانتخابات تراجع معنى "السياسة"

لا ريب أنّ الحدّ الذي بلغه الارتباط المباشر لاحتمالات احتباس وانفراج الأزمة اللبنانية عموماً، والحكوميّة خصوصاً، بتقلّبات الوضع الإقليميّ، وبمسار الملف النوويّ الإيرانيّ بالتحديد، يشكّل مشكلة أخطر وأعمق من الأزمة ذاتها. فهذا الارتباط إذا ما أجاز للبنان حكومة بعد أن منعها عنه لن يجيز للبنان استقراراً حقيقيّاً ولا لمشروع بناء الدولة فيه مدى واقعيّاً وهو يؤسّس شيئاً بعد شيء للابتعاد عن النصّ الدستوريّ، ليس لناحية ابتداع آخر بديل منه، وإنّما لناحية الإبتعاد عن الفكرة الدستوريّة التي تشكّل عراقتها في لبنان، منذ 1926، الضمانة الأساسيّة لكياننا الوطنيّ بوصفه كياناً ميثاقيّاً بامتياز.

وإذا كانت الحركة الاستقلاليّة قد حدّدت منذ سنوات المنظومة الإقليميّة التي تنتهك سيادة لبنان بأشكال متعدّدة بعضها بحكم وطأة الجيرة وبعضها الآخر يتسلّح بالديموغرافيا والأيديولوجيا قافزاً فوق البعد الجغرافيّ، فإنّه بات على الحركة الإستقلاليّة أن تطرح كذلك الأمر مسألة حدّة الارتباط المباشر لاحتمالات احتباس كما انفراج الأزمة بتقلّبات الوضع الإقليميّ، ولا يعني ذلك أن تنقطع هذه الحركة عن موجبات التكيّف مع راهنيّات السياسة الدوليّة والإقليميّة، أو عن تظهير نفسها بحكم الحائرة بين الخوف من أن يعود عليه الانفراج الإقليميّ بالضرر أو أن يترجم الاحتباس الإقليميّ تنكيلاً ضدّ أقطابها ورموزها أو محاصرة لها أو استباحة لفضاءاتها.

إنّما يعني أنّه بات على الحركة الإستقلاليّة أن تستغلّ عدم استقرار المسار الإقليميّ العام للتوجّه بشكل أوضح إلى الأطراف الأخرى في "اللعبة الداخليّة"، بقصد الإتفاق على حدّ أدنى من التحكّم الداخلي بدرجة التأثّر والانفعال بما يردنا من المحيط الإقليميّ سلباً أو إيجاباً، لأنّه من دون رفع درجة التحكم الداخليّ المنعدمة تماماً اليوم لن يكون الانفعال بالإيجابيّ إقليميّاً إلا لحظة عابرة يتلوها الانفعال بما هو سلبيّ، ولن يكون بالمقدور اغتنام أي إيجابيّة للمراكمة عليها، وسيظلّ "التعطيل" سيّد اللعبة الداخليّة، حتى لو جاء التعطيل متقطّعاً، يشتدّ حيناً ويلين حيناً آخر.

وقبل التوجّه للأطراف الأخرى، فهذا يعني أنّه بات على الحركة الإستقلاليّة أن تتوجّه إلى ذاتها أيضاً لإنتاج ثقافة سياسية تتدرّب بشكل يوميّ على إنتاج هذه المناعة الداخلية التي تقي من الإرتباط الجِد مباشر بحسابات الإحتدام والوئام الإقليميّة. إن ذلك هو الشرط الأساسيّ اليوم لإعادة إعطاء معنى وطعم للسياسة في لبنان، وكلّ ما هو خلاف ذلك ما عاد يقنع السواد الأعظم من اللبنانيين.

فمشروع استقلال لبنان مزدوج من هذه الناحية: إستقلاله عن المتدخّلين الإقليميّين فيه واستقلاله عن التقلّبات الإقليميّة بشكل عام. قصر المعادلة في جانب واحد لا يساعد كثيراً على إعادة شحن معنى السياسة في هذا البلد. وينبغي عدم المكابرة بالقول إنّ المعنى الذي زيّنت لنا عودته لحظة الإعلان عن نتائج الإنتخابات لم يصمد طويلاً، ومن الضرورة أن تبادر الحركة الإستقلاليّة أو أيّ شكل منها بل أي فرع من أجل إحياء هذا المعنى.

وينبغي الاعتراف هنا بأن "التعطيل" بقدر ما هو مفكّك للنظام السياسيّ اللبنانيّ شيئاً بعد شيء فإنّه محبط لإهتمام اللبنانيين بالسياسة، والميل إلى الضجر والسأم قد تعاظم في الأشهر الأخيرة عند كافة المواطنين، من الجانبين، حتى لو كان المسؤول عن "التعطيل" هو جانب واحد هو عينه الجانب الذي ارتضى رسمياً بنتائج الإنتخابات ثم أنقلب عليها عملياً، أو "علّقها" حتى إشعار آخر.
والحال أنّ الأزمة الحكوميّة قد تحلّ بإنفراج إقليميّ أو ما يعادله، إلا أنّه ليس كذلك يمكن إعادة الأخذ بنتائج الإنتخابات، هذه لا يُحتكم إليها إلا بالحدّ الأدنى من المناعة بإزاء التقلّبات الإقليميّة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل