الخلاف على التأليف هل يتجدد عند وضع البيان الوزاري؟
لبنان لا يزال في وضع استثنائي رغم نتائج الانتخابات
السؤال المطروح في الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية هو: كيف لحكومة وحدة وطنية لاوحدة بين أعضائها ان تكون حكومة عمل وانتاج، وكيف لحكومة اختلف اعضاؤها على الحقائب بين سيادية وخدماتية ان تتفق على بيان وزاري يكون برنامج عملها وتلتزم تنفيذه ولا تكتفي بجعله بيانا على الورق؟
لقد سميت الحكومة الاولى في عهد الرئيس ميشال سليمان برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة "حكومة الارادة الوطنية الجامعة"، واذا بالخلاف بين أعضائها يسيء ادارة هذه الارادة ويبقي عددا من البنود المهمة الواردة في بيانها الوزاري حبرا على ورق، مع أن المتخاصمين جُمعوا في تلك الحكومة كي تسمى "حكومة الارادة الوطنية الجامعة" بعد عقد مؤتمر في الدوحة حدد حصة رئيس الجمهورية وحصة الاكثرية والاقلية فيها. وكان اتفاقا استثنائيا اقتضته مرحلة استثنائية على أمل ان يعود لبنان بعدها الى الدستور والى ممارسة النظام الديموقراطي وحل المشكلات بالحوار وداخل المؤسسات الدستورية. وقضى ايضا بحظر اللجوء الى السلاح او العنف والاحتكام اليه أيا تكن الخلافات وتحت أي ظرف بما يضمن عدم الخروج على عقد الشركة الوطنية القائم على تصميم اللبنانيين على العيش معا في اطار نظام ديموقراطي وحصر السلطة الامنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين في يد الدولة بما يشكل ضمانا لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الاهلي للبنانيين كافة.
كذلك قضى بالتزام الاطراف مبادىء الدستور اللبناني واتفاق الطائف وأحكامهما واجراء حوار في شأن تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كل اراضيها، وعلاقاتها مع مختلف التنظيمات على الاراضي اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين، فيكون السبيل للخروج من ضيق الازمة ومخاطر الفرقة الى التلاقي والحوار الهادىء والمنفتح في شأن الخيارات الوطنية الكبرى التي تصون لبنان وتحمي حرية أبنائه وأمنهم وحقوقهم وترسخ وحدة لبنان وتثبت العيش المشترك فيه وتحافظ على استقلاله وسيادته ونظامه الديموقراطي وميزاته في التنوع والاعتدال والانفتاح وتجدد معنى الانتماء اليه وتعلق أبنائه المنتشرين في العالم به وتعزز رصيده في العالم العربي والعالم كله.
كأن شيئا لم يتغير
وقد أكدت تلك الحكومة تمسكها بمبدأ وحدة الدولة ومرجعيتها في كل القضايا المتعلقة بالسياسة العامة للبلاد بما يضمن الحفاظ على لبنان وصون سيادته الوطنية ناظما لتوجهاتها وقراراتها والتزاماتها. كما أكدت ما تضمنه خطاب القسم لرئيس الجمهورية من توجهات ودعوة للحوار والتزام الدستور والميثاق الوطني ووثيقة الوفاق الوطني. فما الذي جرى منذ قيام تلك الحكومة حتى اليوم؟ لا شيء سوى العودة بالوضع الى ما كان قبل قيامها. فعوض العودة الى النظام الديموقراطي وأحكام الدستور وخصوصا بعد انتخابات نيابية حرة أفرزت أكثرية وأقلية، عادت البلاد الى اتفاق الدوحة الاستثنائي في تأليف الحكومة مع تعديل طفيف في توزيع المقاعد الوزارية بين رئيس الجمهورية والاكثرية والاقلية ورفض أي صيغة للحكومة غير الصيغة التي وضعت في اتفاق الدوحة. أي استمرار لبنان في وضع استثنائي اقتضته مرحلة استثنائية لم تنته بعد أو "ضرورات وطنية"، كما يسميها البعض اليوم واعتماد ديموقراطية جديدة هي "الديموقراطية التوافقية" التي تتخذ فيها القرارات بالتوافق، أي بالاجماع، كما تتخذ في الانظمة الديكتاتورية او التوتاليتارية، وإلا تبقى معلقة، واعتماد صيغة "حكومة وحدة وطنية" يخضع تأليفها للمحاصصة التي قد تثير كل مرة الخلاف عليها، ولا يخضع للنظام الديموقراطي ولأحكام الدستور فتحكم الاكثرية وتعارض الاقلية كما في الماضي.
واستمر اللجوء الى السلاح والاحتكام اليه خلافا لما نص عليه اتفاق الدوحة، ولم يتم تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كل اراضيها، بل ظلت مناطق لبنانية يحظر عليها دخولها وتسيطر عليها تنظيمات لبنانية وغير لبنانية مسلحة، حتى أن مناطق الجنوب اللبناني التي تخضع لسيطرة "اليونيفيل" والجيش اللبناني تنطلق منها صواريخ في اتجاه اسرائيل التي تتخذها ذريعة للقيام بعدوان على لبنان. ولم تتمكن السلطة اللبنانية في ظل حكومات الوحدة الوطنية من تنفيذ القرار 1701 كاملا رغم تجاوز المدة المحددة لتنفيذه، فظلت الطائرات الحربية الاسرائيلية تنتهك الاجواء اللبنانية والاسلحة تتدفق عبر حدوده على الاحزاب والتنظيمات وتحديدا على "حزب الله" وكأن شيئا لم يتغير على الارض منذ قيام عهد الرئيس سليمان، إذ ان الوضع الشاذ عاد بعد الانتخابات النيابية كما كان قبلها…
هل تستطيع الحكومة العتيدة؟
واذا كانت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة فؤاد السنيورة لم تتوصل الى اتفاق على ملء المراكز في وظائف الفئة الاولى لتأمين حسن سير العمل في ادارات الدولة، فهل تستطيع ذلك حكومة مثلها برئاسة النائب سعد الحريري؟
واذا لم تستطع "حكومة الوحدة الوطنية" الحالية حماية اللبنانيين من اعتداءات تقع عليهم ومن تأمين حياة آمنة ومستقرة لهم، ولم تستطع ايضا بسط سيادتها على كل الاراضي اللبنانية، فلا تكون مناطق يلوذ اليها الفارون من وجه العدالة، ويوضع حد لظاهرة اطلاق الرصاص في مختلف المناسبات، فهل تستطيع ذلك حكومة تكون على صورتها ومثالها؟
واذا كانت حكومة السنيورة لم تستطع ابقاء لبنان بعيدا من سياسة المحاور حرصا على مصلحته العليا، ولا أن يبقى اللبنانيون تحت وصاية أحد، ولا ان يكونوا أدوات يستخدمها اللاعبون الاقليميون والدوليون في صراع النفوذ بينهم كي يقوم لبنان المستقر، لبنان الوطن لا الساحة، فهل تستطيع ذلك حكومة شبيهة بها؟
وهل نجحت حكومة الوحدة الوطنية في حل قضية المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا، وفي ارساء افضل العلاقات مع سوريا بعد تبادل التمثيل الديبلوماسي وعلى أساس الاحترام المتبادل لسيادة البلدين واستقلالهما والثقة؟ وهل نجحت في تحرير او استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر؟ وهل توصلت الى ترسيم حدود هذه المزارع تمهيدا لوضعها في عهدة الامم المتحدة قبل ان يستعيد لبنان سيادته عليها؟ وهل عملت على وضع استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه؟ وهل نجحت في بسط سيادة الدولة على كل الاراضي اللبنانية تنفيذا لاتفاق الطائف وللقرار 1701؟ وهل أنهت وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وعالجت قضية الامن والسلاح داخل المخيمات وكذلك المشكلات الانسانية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان وما يقتضيه ذلك من اجراءات وتدابير تعزز الموقف اللبناني الرافض للتوطين وتتماشى مع حق الفلسطينيين المقيمين في العيش الكريم؟ إن هذه المواضيع وغيرها التي واجهت حكومات السنيورة ولم تتمكن من معالجتها، سوف تواجه الحكومة العتيدة والتي ستأتي على ذكرها مرة أخرى في بيانها الوزاري، وخصوصا اذا كانت "حكومة وحدة وطنية" لا وحدة بين أعضائها ولا رؤية مشتركة للحلول!