ذاك الطفل والوردة!!
من زماااااان لم نسمع خطابا مماثلا.
من زمااااان لم نشهد احتفالا شعبيا حنونا!
غريب وصف حشد هائل بالحنون، لكنه كان كذلك.
كان حشدا للمشاعر الحلوة الهادئة الهادرة.
كل شيء، رغم عشرات الالاف المتجمعة في ملعب جونيه، كان ساكنا الا القلوب ومرآتها العيون.
رغم الحشد الهادر، كان هناك وقت لصوت الحشود ووقت للدمع وأوقات للصلاة الحميمة ولجنون الانتماء.
كنت هناك، ومن زمااااان لم نشعر بفرح الانتماء. بالفرح أن نكون منتمين لمجموعة تُعلن ولاءها أولا وأخرا وأبدا ليسوع المسيح.
تذوقنا ذاك السبت من أيلول، طعم السعادة ونحن في قلب الذكرى الحزينة.
كل شيء كان خاشعا حنونا وكأنه تطواف في أرواح الشهداء الهائمة فوق رؤوسنا.
هكذا تهيأ لي هكذا شعرت وشعر كثر ممن حضروا.
… ويدخل ذاك الطفل الرائع ووردته الحمراء المخبأة خلف ظهره، وكأنه لا يريد أن يفسد على الشهداء متعة المفاجأة، ثم ينحني امام الصليب ويرسم شارة الرب على صدره ويقدم لهم خاشعا … الوردة.
…. وتلك الاغنية القاتلة. القاتلة من فرط الشجن "مين منكون"، والدموع المتحفّزة في عيون من كنا نظن انهم لا يبكون.
كلهم وقفواعلى شفير الدمع عندما انطلقت اغنية الشهيد. لكل منهم، ومنا، قصة حزينة وحكاية لا نرويها الا عندما يلتقي الوجع بالوجع والمقاوم بالمقاوم.
كنا هناك كثرا كثرا ولكننا كنا واحدا. نضم الذكرى بحنان، نشهد على قضية من دون تحد
…. ونسمع خطابا غريبا هجينا في محيطه!!
من زمااااااااان لم نعد نسمع ما سمعنا في ذاك الخطاب. لم نر ابهاما يعلو في السماء مهددا بالهول والويل. لم نسمع تحديا ولا اداة الشرط تلك "اذا لم يتم كذا سيحصل كذا وكذا"….
لم نشعر ان الدنيا على شفير الانهيار وان لبنان صار مزرعة والمزرعة مقفلة امام الاوادم. لم ننتشِِ بوعود خارقة وكلام كبير مبهبط، فلم تُشق البحار لتتحول جبالا ولا تحولت الجبال فئرانا ! بقي كل شيء مكانه انما توضّحت صورته اكثر.
سمعنا فقط خطابا قويا راقيا وضع الايادي على الجراح، من دون أن يجعلها تنزف بوحشية، وسمعنا مطالب شعب يريد فقط ان يعيش بكرامة، من دون ان يفتعل البطولات الفارغة. تشاركنا في خطاب سمير جعجع مع الاخر البعيد في انتمائه السياسي ودعوناه ليكون معنا شريكا في لبنان للمرة الاولى، وانا أسمع خطابا، أشعر بأزمة ذاك الاخر من دون أن أحقد عليه.
انتبهنا الى اننا لا نريد من ذاك الاخر أكثر من الاعتراف بأولوية لبنان فقط لا غير.
فالخطاب القوي المحمّل رسائل سياسية ذات ابعاد كبيرة، كان مفعما ايضا بالحنان! ومن قال ان ليس في القوة حنان ايضا؟ تذوقنا ذاك السبت من ايلول طعم السعادة ونحن في قلب الذكرى الحزينة.
ايلول المتهالك على أبواب الخريف، زرع فينا ربيعا استثنائيا… ونحن ما زلنا في الحقل، نقطف شقائق النعمان الحمراء، بينما ورق أيلول الاصفر ينهمر بغزارة خارج أسوارنا….