الغاء الآخر صناعة عونية
ابرز المزايا التي يفترض ان ترافق خطاب رجل السياسة هي ميزة المنطق، المؤدي الى اقناع المتلّقي بما يقوله رجل السياسة او رجل الدولة او مطلق قيادي على تماس مع الناس والجماهير.
هذه الميزة، مع الأسف، غير متوفرة في مواقف العديد من قياديين في المعارضة، وخصوصاً عند مقاربتهم للقضايا الخلافية الاساسية التي تمنع قيام تفاهم بين مختلف الافرقاء، ولو في حدّه الأدنى، بما يسمح بالعمل سويّة للمحافظة على النظام الديموقراطي البرلماني الحر الذي ارتضاه اللبنانيون دستوراً لحياتهم وعيشهم المشترك، والذي يأتي اليوم من يبشّرهم بأن هذا النظام لم يعد صالحاً وهو في طريقه الى الانهيار، والأفضل ربما ان يلجأ اللبنانيون الى نظام احادي توتاليتاري، امني، يوفّر لهم الاستقرار والأمان، بدلا من الهزّات الامنية المتواصلة التي على ما يبدو ينفخ في نارها لبنانيون متضررون من نظام الحريات القائم الذي يحفظ كرامة الانسان، على الرغم من كل سيئات تطبيقه، كذلك الامر فان هذه الميزة غير متوفرة ايضاً في مقاربة هؤلاء لما يقوله خصومهم في السياسة، بحيث يتعمدون «فهم» خطاب خصومهم في معناه المعكوس، او يحوّرون مضمونه بما يناسب حملتهم الدائمة على فريق محدد من خصومهم، يحرصون على تشويه سمعتهم وسيرتهم واهدافهم، في تناقض فاضح وفجّ لمفهوم العيش المشترك والوحدة الوطنية والشراكة المزعومة.
وحتى لا يبقى الكلام يدور في العموميات، لا بدّ من الاشارة الى عدد من المواقف اللامنطقية التي تطغى على خطاب نواب وقيادات في المعارضة.
عندما طرح رئيس حزب الكتائب الرئيس الشيخ امين الجميّل حلاً لتحرير ما تبقى من ارض لبنانية تحتلها اسرائيل، بحيث يسترد لبنان ارضه دون الدخول في حرب مدمّرة مع اسرائيل، وذلك عن طريق مفاوضات غير مباشرة معها، على غرار ما فعلت مصر والاردن والفلسطينيون سابقاً، وما فعلته سوريا مؤخراً وتنوي متابعته عندما تتهيأ الظروف، وعلى غرار ما فعله حزب الله اكثر من مرة، في اتفاق نيسان، وفي اطلاق الاسرى، وما يفعله الجيش اللبناني حالياً في اجتماعات برعاية الامم المتحدة لحلّ بعض الاشكالات والامور التي تهم الجنوبيين، قامت القيامة على الرئيس الجميل، وطلع السيد حسن نصرالله «بقرار» ان لا تفاوض مع اسرائيل اليوم وغداً…
ونقطة على السطر، والسؤال هو اين المنطق في هذا الموقف ليقتنع اللبنانيون بصحته وسلامته؟
ومؤخراً، اعلن رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتورسمير جعجع في قداس شهداء المقاومة اللبنانية، ان الطائفة الشيعية الكريمة منحت بأكثريتها الساحقة ثقتها لحزب الله في الانتخابات النيابية الاخيرة، ومن حق الحزب ان يمثّل طائفته، في الحكومة، ولكن ما ليس من حقه، ان يجيّر هذا التمثيل لمصلحة غيره، بما يعرقل تشكيل الحكومة ويدخل البلاد في ازمة حكم، ويستغلها البعض ليحوّلها الى ازمة نظام، فسارع نواب وقياديون في المعارضة، كعادتهم، الى تفسيرات لاقوال جعجع بما يتناقض تماماً مع مضمونها الحقيقي، لأن مضمونها الحقيقي قائم على تسليم جعجع بشعبية حزب الله الشيعية، وبعدم معارضته قيام حكومة شراكة، ولكن بشرط الاّ يستغلّ حزب الله القبول بهذا النوع من الحكومات لفرض شروطه وشروط غيره من حلفائه، والاّ فان حكومة من الاكثرية التي يسمح بها الدستور والضرورة الوطنية، تصبح حاجة ملحة للخروج من المأزق الذي يخلقه «فيتو» المعارضة المختصرة بحزب الله.
اما اتهام جعجع بأنه يهدف في طرحه هذا الى الغاء التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون، فان الغرض منه، توسيع الشرخ بين القوات والتيار الوطني ليس الاّ، واذا سلمنا جدلاً بأن جعجع يسعى حقا الى الغاء التيار ورئيسه، فان العماد عون سبق الى هذا الفضل حين حاول الغاء القوات بقوة السلاح، وفشل، وما زال حتى اليوم يعمل على الغاء جميع الاحزاب والشخصيات المسيحية، وحتى الى الغاء دور بكركي، وذلك سيراً على خطى حزب الله الذي الغى المقاومة الوطنية، وغيّب زعامات شيعية كان لها تاريخ في حياة لبنان، امثال عائلات الاسعد والخليل، وحماده وحيدر، وبيضون، وحجّم عائلات اخرى مثل الزين وشاهين وعسيران، والحسيني، وكان على قاب قوسين من الغاء حركة أمل التي خرج من رحمها، لولا تدخل من في يده الحلّ والربط.
وبعد، اين المنطق في هذه الاقوال والتفسيرات والاتهامات، التي لا مردود لها سوى تسفيه الدعوات والكلام عن وحدة وطنية، وحوار، وقبول الآخر، وشراكة حقيقية، حيث تسقط جميعها تحت حقيقة الواقع المختلف تماماً عن كل ما تقدّم.
يلغون الاخر، ويتهمونه بالغائهم.