لبنان "الرسالة" أشبه ببرج بابل لبناني !
لم نفاجأ إطلاقاً بتقديم الرئيس المكلّف تأليف الحكومة سعد الحريري اعتذاره عن هذه المهمة، وذلك بسبب الاجواء المحمومة والمناورات والمماحكات والشروط والشروط المضادة من بعض الموتورين المتجاهلين الاوضاع الصعبة في البلاد والمشاكل المعيشية التي يعانيها المواطنون. وفي هذه المناسبة نهنئ السياسيين والزعماء الضالين الذين نجحوا في احباط مهمة الرئيس المكلّف بعد مضي 73 يوماً على تكليفه من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان غير مبالين بما ستؤول اليه الاوضاع العامة في البلاد في غياب وجود حكومة دستورية. فالمشكلة واضحة ومعروفة وهي تتعلّق بفرض اسم الوزير الذي يريده والحقيبة التي يرغب فيها كل حزب او تكتل او حركة والاصرار على تنفيذ طلبه خلافاً لمواد الدستور التي تنيط برئيس الجمهورية والرئيس المكلّف هذا الامر بعد استشارات نيابية ملزمة مع سائر الاطراف. ولا نريد ان نجعل هذا المنطق الاعوج عرفاً جديداً يغيّر نظام الحكم في لبنان، اضافة الى ان هذه الخطوة بدعة جديدة يجب الا تعتمد اطلاقاً. فمهما قلنا في الموضوع اللبناني الميؤوس منه فلا يمكن ان نشفي غليلنا من الاباطرة الفاسدين الذين لا همّ لهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية وانانيتهم الدنيئة. والمضحك المبكي انهم يتبجحون بأنهم قدموا التنازلات تلو التنازلات في سبيل مصلحة الوطن العليا والشعب اللبناني. ازاء الكلام على التنازلات المتبادلة بين الفريقين المتنازعين لا بد من السؤال عن ماهية هذه التنازلات واهميتها امام سقوط الشهداء الابرار من وزراء ونواب وسياسيين وصحافيين وعسكريين وغيرهم من الابرياء في صفوف قوى الغالبية فداء لبنان وعزته وكرامته. وهذه يجب اعتبارها اكبر واغلى تضحية قدمتها هذه القوى وهي لا تقدّر بثمن. فهل هناك اغلى من الشهادة؟ اذا كان كل فريق يدعي التنازلات فأين المشكلة اذاً؟ الا يخطر لهؤلاء المرائين ما قد يقوله عنا العالم الخارجي وعن المستوى الذي انحدر اليه اشباه الزعماء اللبنانيين الحاليين؟ في الظاهر يبدو ان هذا الامر لا يهمهم كونهم يملكون ثروات طائلة واملاكاً لا تعد ولا تحصى في الداخل والخارج. في ضوء هذا الواقع، فلماذا يفكرون في الشعب المقهور والشباب المندفعين الذين يتخرجون في الجامعات ويهاجرون الى بلاد الله الواسعة سعياً وراء وظيفة لائقة ولقمة عيش نظيفة حفاظاً على كرامتهم التي باتت مفقودة في وطنهم. ان مثل هؤلاء الزعماء يعملون على تدمير لبنان وزواله بفعل تعنتهم وعنادهم وهم يلهثون وراء كرسي نيابي او وزاري غير مبالين بهذا الوطن الجميل، الوطن "الرسالة" كما وصفه عن حق وحقيقة قداسة الحبر الاعظم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني. بربكم يا اهل الفكر والخير والكرامة هل سمعتم او قرأتم في حياتكم مثل ما يحصل في لبنان الذي طالما شبه بـ"سويسرا الشرق" كما قيل سابقاً "نيال من له مرقد عنزة في لبنان"؟
ولا بد من ان نتذكر لبنان المجد والعزة والكرامة الذي كان زعماؤه السابقون، رحمهم الله، يقومون بدور المصلح لتقريب وجهات النظر بين البلدان العربية المتنازعة، فيما اليوم يطرح الملف اللبناني والاوضاع السياسية المتشنجة فيه للبحث في الاجتماعات واللقاءات بين زعماء حاليين من دول عربية واجنبية وكأن لا وجود لقيادات او زعامات لبنانية مؤهلة تتولى معالجة اوضاع الوطن ومشاكله او كأن لبنان قاصر وزعماؤه لم يبلغوا بعد سن الرشد. وما يدعو الى الاستغراب قول البعض ان جزءاً من أزمة تأليف الحكومة داخلي والجزء الآخر خارجي. فنعجب كيف يرضى زعماؤنا بمثل هذا التحليل ولا يسارعون فوراً الى رفضه علماً ان بعضهم لا يزال يربط مصير الوطن وحتى حل مشكلاته الداخلية بتحالفات مع الخارج. من ناحية اخرى ما يلفت الانتباه في لبنان كثرة المتكلمين ونجوم السياسة الذين يطلون على شاشات التلفزة. تصريحات عدد كبير من الوزراء والنواب والزعماء والمحللين واحياناً كثيرة من فريق واحد، تؤجج الوضع وتربك الامور، وما اكثر الابواق المأجورة والرخيصة في لبنان، اذ ان عدد المتهافتين على الحديث من مختلف الاطراف لا يحصى ولا يعد. ففي سوريا، على سبيل المثال، "بالكاد" نسمع وزير الخارجية السوري او نائبه يدلي بتصريح ما والحال ذاته ينطبق على نائب رئيس الجمهورية وغيره من كبار المسؤولين. واذا ما اجرى اي مسؤول عربي او غربي محادثات مع الرئيس السوري او غيره تكتفي الوكالة العربية السورية للانباء الرسمية بتغطية اجواء اللقاء والمباحثات من دون ان نسمع تصريحاً من هنا او هناك او تسريبات وتأويلات تؤدي الى التشنج، كما هو الحال في لبنان. فعلى ماذا يدل ذلك؟ وان اكثر ما يثير الصحف تبادل وزيرين في حكومة واحدة نعني بهما وزير الاتصالات جبران باسيل ووزير العدل ابراهيم نجار السجالات المفتوحة عبر وسائل الاعلام حول موضوع محطة الباروك. وان دل هذا على شيء فإنه يدل بوضوح على ان الموضوع طرح بهذا الشكل كون الوزيرين ينتميان الى فريقين سياسيين متخاصمين من الموالاة والمعارضة. فكيف يفكر المعنيون بتأليف حكومة وحدة وطنية تضم وزراء اضداد بعد هذا المشهد؟ وفي غمرة الاوضاع العامة الملبدة كم يؤلمنا ان تصدر بين حين وآخر تصريحات نارية من بعض المرجعيات الدينية المعروفة باعتدالها في اتجاه مرجعيات اخرى، مما يخض البلد ويشعل ردود الفعل العالية السقف، ويزيد حدة الاحتقان الطائفي ويؤثر سلباً على المستوى السياسي المتصدع أصلاً. فلنقلع الى الابد عن اجراء مثل هذه السجالات العقيمة التي تدل على ما يتخبط فيه لبنان من انحدار في مستوى التخاطب المذهبي والسياسي على حد سواء. انه فعلاً برج بابل لبناني. ومن الغرائب ايضاً تكرار البعض القول انه لا يوجد احد يرغب في عزل اي فريق لبناني اياً يكن هذا الفريق. فقد شهدنا في الماضي ازمات وحروب داخلية ولم تتمكن والحمدلله اي جهة من الغاء الاخرى رغم ضراوة الاحداث. ان مجرد فكرة محاولة العزل مهينة اذا لجأ اليها اي طرف، لاننا في النهاية كلنا لبنانيون ونعيش تحت سماء واحدة وفي وطن واحد هو لبنان. فلا يجوز ولا يحق اليوم التكلم على موضوع الغاء احد في هذا الوطن حتى لا نعطي انطباعاً للغير بأننا قبائل متنازعة. فالوطن بطبيعة الحال اهم واكبر من كل فرد او رجل سياسي مهما علا شأنه. والمؤسف ان الزعماء والسياسيين لا يبالون بهذا الشأن ويسترسلون في غيهم مما ينعكس سلباً على الاوضاع المعيشية عامة. المواطن يطالب بأن يعيش بسلام وكرامة واطمئنان اذ لا يجوز ان يمضي عمره في هذا البلد المنكود الحظ في ظل الانقسامات السياسية العقيمة والاوضاع المخزية من عدم استقرار امني وتعديات وسرقات وخطف وقتل، وكل هذا في النهاية يضاعف قيمة الدين العام المشكو منه والذي يتفاقم بسبب خلافات السياسيين. ومن الامور المخجلة ايضاً تهويل بعض "اولاد السياسة" بالحرب الاهلية من جديد، وكأن هذه الحرب مباراة في كرة القدم او في كرة السلة او كأنهم لم يتــــذوقوا طعــــــمها ويبتلوا بويلاتهــــا او يشعروا بمــــرارة وألم الذين فقدوا اعزاء لهم وخسروا ممتلكاتهم. فليكف هــــؤلاء وامثالهم عن مثل هذه الخزعبلات المرفــــوضة والكوابيس المزعجة.
ومن الموضوعات المثيرة للاشمئزاز التطرق دائماً الى اتفاق الطائف ومضمونه. فهل من الضروري التذكير في كل مهرجان او احتفال بأن الطائف حدد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين وهذا ما حدا، على ما يبدو، الرئيس المكلّف سعد الحريري، المسلم السني، الى القول في احد الافطارات الرمضانية ان "لبنان الرسالة الذي نريده ان يبقى مكاناً للقاء والحوار عنوانه المناصفة الدائمة والثابتة بين المسيحيين والمسلمين اياً تكن الاعداد واياً تكن الديموغرافيا". وفي الختام وفي خضم العراقيل والمطالب التعجيزية امام تشكيل الحكومة لا بد من ان نتذكر الاحتلال السوري الذي استمر ثلاثة عقود وفرض خلالها سطوته ووصايته على اللبنانيين وحرمهم فرص حكم انفسهم بأنفسهم واخضعهم لنظام ديكتاتوري شارك فيه، ويا للاسف، متعاونون لبنانيون قدموا مصالحهم الخاصة على مصلحة بلدهم. وان ننسى لا ننسى كيف كان يتم تأليف الحكومات بسهولة لافتة في ذلك الحين ودون شروط او عراقيل كما هو حاصل اليوم ودون ان يتجرأ احد على ان ينبس ببنت شفة. فهل هذا هو ما يريده الزعماء في بلادنا ان يبقوا مرتهنين ومطأطئي الرؤوس وخاضعين لأوامر واملاءات الخارج اياً كان؟
(المدير العام السابق لوكالة "رويترز" في لبنان )