الإصلاح في “التيار” على وقع الاستحقاقات الانتخابية


الإصلاح في "التيار" على وقع الاستحقاقات الانتخابية

كتب غسان سعود في صحيفة "الأخبار": طلب الجنرال ممن يراجعونه بشأن تنظيم الوطني الحر إعداد تقرير بهذا الشأن (أرشيف ــ هيثم الموسوي)الورشة التنظيمة داخل التيار الوطني الحر مستمرة، والنقاش مستمر أيضاً، بين من يرى ضرورة وإمكانية ورغبة في تحقيق إصلاحات، وآخرين يعتقدون أن الأمور أكثر تعقيداً، وأن من المفيد خفض سقف التوقعات في المرحلة المقبلة.

في حلقته التلفزيونية مع الإعلامي مارسيل غانم على قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال، قبيل الانتخابات، سئل العماد ميشال عون عن الأوضاع التنظيمية للتيار الوطني الحر، فطلب تأجيل الإجابة حتى 8 حزيران (بعد الانتخابات). وفي الموعد، بدا الجنرال جديّاً جداً في إظهار نيّته إجراء «نفضة» داخل التيار تشمل محاسبة جديّة للمقصّرين وتغييراً في أسلوب إدارة الحزب وضخ دم جديد في المستويات كلها. وهو طلب ممن يراجعونه بشأن تنظيم الوطني الحر إعداد تقرير بهذا الشأن. وفي موازاة دعوة الجنرال، بدأ المقرّبون منه بعقد عشرات اللقاءات مع حزبيين وأصدقاء للتيار بهدف سماع وجهة نظرهم التفصيلية، وجمع الأفكار ـــــ الصيغ المفترضة للخروج من الأزمة.

إيجابية القيادة ترافقت مع حسن نيّة أظهره المعترضون خلال السنتين الماضيتين على أسلوب إدارة شؤون التيار، وعقدت سلسلة اجتماعات أبرزها مع الوزير جبران باسيل، الذي أيّدهم وصارحهم بأنه مقتنع بوجود خلل في التيار، وبضرورة عملهم يداً واحدة لإقناع الجنرال بإصلاح الوضع. هكذا، مرّت حوالى 3 أسابيع أشبه بشهر العسل: شرع تكتل التغيير والإصلاح في اجتماعات كثيفة ومتنوّعة، العماد عون يفتح صالونه لناشطين مرّت أشهر على طلبهم المواعيد، المنسّق العام بيار رفّول يوحي لمن يلتقيهم أن التيار يتّسع لكل الناس وكل وجهات النظر، وثمة عمل مؤسساتي قيد الإعداد.

وفي وقت لاحق، أُلّفت اللجان الضرورية للانطلاق مجدداً، وبدأت غربلة الأسماء وفق اقتناع بأن الفريق الذي أدار الانتخابات مسؤول عن قسم كبير من الفشل. وتسرّبت معلومات عن اختيار لاختصاصيين في مجالهم يستوفون مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب. هذا الأمر كان له صدى سلبي، سواء لدى القياديين الحاليين الذين صدّقوا كذبتهم أنهم لا يتحمّلون مسؤولية ما حصل في الانتخابات، ولدى المعارضين الذين فتحوا قلوبهم وراهنوا على استيعابهم مجدداً في الرابية، مقابل صدى إيجابي عند شريحة عونية وقريبة من التيار تعنيها قيامة التيار، بغض النظر عن الأشخاص. وبين انزعاج بعض «القياديين» وارتياح عموم الرأي العام العوني، بدت الإيجابية تجاه الاقتراحات أكبر من السلبية بكثير.

لكن مرة أخرى حصلت مفاجأة، وحصل تطوّران يدعوان إلى الترقّب:
الأول، كان اجتماع الهيئة التأسيسية للتيار الوطني الحر يوم الأربعاء في 16 أيلول الماضي، حين أبلغ الجنرال الحاضرين أنه قرر إضافة أشخاص جدد إلى الهيئة التأسيسية. وهذه سابقة في تاريخ الأحزاب أن تُكبّر الهيئة التأسيسية بدل أن تُصغّر. والمفاجأة الثانية في الاجتماع نفسه كانت تحميل الجنرال الهيئة التأسيسية، التي لم يجمعها إلا مرتين خلال 3 سنوات، مسؤولية الخسارة، منتقداً تصرّف الكل كضباط وعدم وجود عسكر، إضافة إلى تخلّيهم عن المناقبية الحزبية. أما المفاجأة الثالثة فكانت إبلاغ الحاضرين، وبينهم من كان يعدّ اللقاء مناسبة لنقاش حزبي جدي بشأن مستقبل الحزب، أن لجاناً جديدة قد أعدّت، وسيعرفون عنها لاحقاً. وقد اختتم الاجتماع دون فرصة جديّة للنقاش، ما دفع بعض الغاضبين إلى الاجتماع بعيداً عن الأضواء للبحث في ما يمكن فعله. وبدأ الإعداد فعلياً لعريضة تدعو الجنرال إلى تصغير الهيئة التأسيسية بدل تكبيرها أو إنشاء هيئة عامة للتيار وضم كل من يستحقون فعلاً الانضمام ويملكون معايير تحدد بدقة. ويذكر هنا أن العريضة قد لا تبصر النور، لأن النقاش العوني المنتج بات معطّلاً على كل المستويات دون استثناء. فمنسّقو المناطق تحوّلوا إلى مجلس شرف يكتفي باجتماع بروتوكولي شبه أسبوعي لا ينتج تفاعلاً مناطقياً. والذين كانوا يصفون أنفسهم بالمعارضين خلال السنتين الماضيتين وصلوا إلى مرحلة غير مسبوقة من الانقسام على أنفسهم والتشتّت، وهم يعجزون عن تقديم أي طرح بديل، حتى إن بعضهم يفضّل الجلوس على شرفة منزله في انتظار انهيار الحزب بالكامل، بدأ جزء كبير من الرأي العام العوني يتفهّم هاجس البعض في السؤال عن المستقبل (أرشيف)فيزوره الجنرال أو طيفه ليعتذر منه عن إبعاده في المرحلة السابقة ويسلّمه دفّة القيادة لينقذ البلاد والعباد.

أما التطور الثاني فكان إعلان لجان المهنيات والمدارس وطلاب الجامعات. وهو أول عمل إصلاحي وتغييري مفترض بعد الانتخابات، حيث كانت المفارقة بقاء المسؤولين أنفسهم في المهنيات والمدارس، رغم كل ما قيل، من الجنرال قبل غيره، في حقهم. وفي الجامعات كانت الصدمة بتعيين رئيس و3 أعضاء أساسيين ومركزيين في اللجنة الجديدة كانوا أعضاءً في اللجنة السابقة، رغم أن أداء اللجنة السابقة كما بيّنت نتائج الانتخابات يوجب معاقبة مسؤوليها لا التجديد لهم، إضافة إلى أن تعيين أعضاء من لجنة سابقة في لجنة جديدة يُعدّ خرقاً لعرف يظلّل تأليف اللجان الطالبية منذ سنوات. واللافت أيضاً أن مقارنة مواصفات الأشخاص والحقائب التي أعطيت لهم، تؤكد أن مؤلّف اللجنة لم يلتزم أبداً بمعيار الشخص المناسب في المكان المناسب. وما أثار حفيظة البعض أن اللجنة الجديدة تؤكد استجابة الجنرال لوجهة نظر طالبية قررت أن كلية العلوم ـــــ آخر المعاقل الحقيقية للتيار الوطني الحر في الجامعة اللبنانية، لا ينبغي أن تمثّل في لجنة الطلاب الجديدة، حالها في ذلك كحال كلية الحقوق والعلوم السياسية ــــ أهم الكليات سياسياً في الفرع الثاني، مثلهما مثل كلية إدارة الأعمال والاقتصاد التي تعطيها القوى المناوئة للتيار الوطني الحر أولوية على كل الصعد (استبعدت هذه الكليات لمصلحة مندوبين سابقين من كليات طب الأسنان والهندسة والآداب).

هذا الأمر يأخذ اليوم حيّزاً مهماً من النقاش وسط طلاب التيار، وثمة ناشطون عونيون من هذه الكليات يجزمون بأن قرار استبعادهم لن يمر أبداً كما مرّت قرارات أخرى طيلة 3 سنوات. وبحسب أكثر من مطّلع عن كثب على أوضاع الجامعات، فإن التيار الذي نجا في العام الماضي من خسائر انتخابية في كليات الجامعة اللبنانية بسبب تأجيل الانتخابات، تنتظره هذا العام معارك جدية ليحافظ على ما لديه في الجامعات الخاصة، وتنتظره معارك كبرى في الجامعة اللبنانية حيث يخشى البعض خسارة كليات الإعلام والحقوق وإدارة الأعمال والعلوم الاجتماعية والهندسة والفنون والتربية، ليفوز فقط في كليّتي العلوم والآداب.

ثمة من يدعو الآن إلى التروّي وعدم التسرّع في إطلاق الأحكام، في انتظار تبلور الصورة كاملة، وبالتالي إعطاء الجنرال مجدداً فرصة حقيقية كاملة. وثمة في المقابل خشية جديّة عند البعض من أن الجنرال لن يبادر إلى تغيير جدّي. 

«نضج» الرأي العام

الاعتراض على الالتزام بالانتحار تنظيمياً على حدّ وصف أحد العمداء المتقاعدين من الجيش كان حتى الانتخابات الأخيرة يقتصر على مجموعة صغيرة من المسؤولين السابقين في التيار. بعض هؤلاء أخذ الأمور بطريقة شخصية، وبعض رأى في المعارضة وسيلة لفرض نفسه ضمن قوائم مرشحي التيار إلى الانتخابات، وبعض آخر كان يعبّر عن غيرة ومرارة جديّة يشعر بها كل ناشط قريب من الأرض يقارن بين مستقبل التيار تنظيمياً ومستقبل الأحزاب المناوئة له.

لكن، بعد الانتخابات الأخيرة، واستمرار مبدأ تكريم الفاشلين، وعدم حصول نقاش جدّي داخل الحزب المفترض بشأن مستقبل الحالة العونية، تنظيمياً وسياسياً، لا عمودياً ولا أفقياً، بدأ جزء كبير من الرأي العام العوني يتفهّم أكثر هاجس البعض في السؤال عن المستقبل. وثمة من يسأل بوعي استثنائي عن سبب تأجيل التيار الاحتفال بتكريم تلامذة المدارس الناجحين من أسبوع إلى آخر، وعن قدرة التيار على تنظيم قداس لمناسبة 13 تشرين الأول يوازي قداس شهداء القوات، تنظيماً ومشاركة شعبية.

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل