حين يرتدي حزب اللّه ربطة العنق ويشذّب لحيته
هل نصحو يوماً على بيان لحزب الله يُعلن فيه أن السلاح هو لحماية مكاسب الشيعة في لبنان، وهو مستعد للتنازل عنه مقابل ضمانات من سعد الحريري؟
هذا ملخص الكابوس الذي يقلق بعض وثيقي الصلة بحزب الله من حلفائه الخُلَّص، من خارج الصورة السياسية التقليدية.
لم ينطلق حزب الله بوصفه حركة سياسية، بل كان شعاره المعلن والمضمر ولا يزال «يا قدس قادمون». وهو الشعار الذي يتفاعل معه مئات الملايين من العالمَين العربي والإسلامي. ولا تنشأ حصانة حزب الله من بضعة آلاف من المقاتلين ومن قدرات ذاتية، أو من دولة واحدة كإيران، ولا من تحالف محور الممانعة، بل من إنجازاته على مستوى القضية المركزية، «حين كنا نلتقي بهم كنا نشاهد أشخاصاً يشبهوننا»، يقول جهادي من زمن آخر.
وحين وقعت الواقعة عام 2006 في حرب تموز، وكانت القيادات السياسية تقول إن حزب الله مغامر، وسيأتي يوم لتصفية الحساب معه، وإن الحرب هي عدوان من الحزب على الإسرائيليين الآمنين، كان جمهور هذه القيادات نفسها يفتح أبواب المدارس أمام من ترك منزله في الجنوب أو الضاحية، وكانت قيادات الأحياء تقتحم مدارس أخرى لم تتجاوب بسرعة مع حاجة المهجرين إلى أماكن للإقامة. ولم ينفرد ذلك شارع في لبنان دون غيره، بل كان يمكن ملاحظة الأمر نفسه يتكرر في الشارع السّني أو المسيحي أو الدرزي. وليست هي رواسب التحالف الرباعي لانتخابات عام 2005، بل كان ثمة أمر آخر لم يلتقطه للأسف من بيدهم الأمر والنهي، لا في حزب الله، ولا شخصيات المعارضة التقليدية.
حين انسحبت سوريا من لبنان، دفع حزب الله ثمناً باهظاً، هو لمّ شمل من كانت سوريا تتولى أمر قرارهم ممن رفضوا اللجوء إلى المحور الأميركي وثورة الأرز. واحتل حزب الله على سبيل تعبئة الفراغ السياسي موقعاً له في الحكومة، وضمن مواقع حلفائه لاحقاً، سواء ميشال عون الذي ساند الحزب في حرب تموز، أو قوى تقليدية أخرى.
إلا أن اليوم نفسه كان يحمل مفارقات عدة: أولاها أن هناك من
كيف يمكن حزباً ثورياً المحافظة على أكثر القوى تقليدية والمعادية في الجوهر لوجوده؟
سيغترّ بنشوة السلطة في الحزب النضالي القائم على جهد مئات الاستشهاديين، وتضحيات آلاف من المقاتلين. وثانيتها أن التكاثر سيلهي من لم يزر المقابر بحسب الآية القرآنية، فراحت مُتَع الدنيا تملأ فراغ التراجع النضالي، وخاصة في مرحلة ما بعد حرب تموز، التي رأى جمهور أنه بغض النظر عن ممارساته سيكون أشرف الناس كيفما فعل ومهما ارتكب، وأن المكافأة في الدنيا واجبة له، ما دام صمد، أو تشرد لشهر، أو دُمر منزله. أما ثالثة المفارقات، فهي الأصعب، إذ اضطُر حزب ثوري إلى التعامل في أمر واقع مع طبقة سياسية تقليدية، فبات يوماً إثر آخر يحرص على عدم ارتكاب أي هفوة قد تُغضب هذا أو تثير حساسية ذاك، أو تدفع آخر إلى ترك المعارضة والذهاب نحو ثورة الأرز.
ليست مناسبة ما سبق مجرد ما وقع بعد إفلاس صلاح عز الدين، ولا المظاهر التي باتت تجلّل الضاحية الجنوبية لبيروت والمقاهي والمطاعم وأصناف المحالّ التجارية وأماكن التجمع وتزجية الوقت التي انتشرت هناك بسرعة هائلة، فلا النمو هو في تحول حزب ثوري إلى راع لطبقة من الطفيليين، وليس من النضالية في شيء تمكين بضعة سياسيين من التحكم بمسيرة نضالية خشية «حرد» وردات فعل.
شبكة الأمان التي حمت حزب الله وأمّنت ظهره ليست فقط في جهاز أمن متطور وفعال ـــــ كما يقول أحد الذين خبروا العلاقة مع الحزب وأجهزته ـــــ بل هو الجمهور الذي كان ينتظر عملياته على شاشات التلفزة العربية والمحلية. وحين يغرق الحزب في ألاعيب الانتخابات اللبنانية، ومحاولة استرضاء الطوائف، فإن هناك من سيخرج من بعده ليتسلم منه شعاره «يا قدس قادمون».
هل نستيقظ يوماً على حزب الله وهو يمنع قيام حركة نضالية تشاركه همومه المحلية والعربية، وتحمل معه راية تحرير الأرض؟
بعض الخبثاء الذين يرددون أن الانتخابات الأخيرة شهدت هزيمة المعارضة على يد المعارضة، يتابع ليقول: «3 أعوام من الهدوء على الحدود وعلى خط العمليات، من سيملأ الفراغ؟ سائقو السيارات الرباعية الدفع في الضاحية؟ أم مَن ينتظرون السماح لهم بالتهرب من واجب المرابطة ويحتفظون بربطات عنق استمدوها من سياسيين؟».