كتابات الدكتور شارل مالك بعنوان “الكثير المطلوب” – الجزء الثامن

كتابات الدكتور شارل مالك بعنوان "الكثير المطلوب" – الجزء الثامن

أعطي الموارنة تاريخًا موحّدًا، منفصلاً، قائمًا في حد ذاته، محدّد المعالم. لا تتمتع أي فئة أخرى في لبنان، بل لربما في أوسع من لبنان، بهذه الصفة المُعطاة. لم يُكتب تاريخ موحّد لأية فئة أخرى بالدقة والتفصيل والتواصلية التاريخية العريقة غير المتقطعة، التي كتب بها تاريخ الموارنة، وقد لا يكون بالإمكان وضع تاريخ لها بنفس الدقة والتواصلية، إذ قد يكون أن ليس لها تاريخ بنفس المعنى. ليس هذا من سبيل الصدف. تصوّر تاريخ السنّة في لبنان، أو تاريخ الشيعة، أو تاريخ الدروز، أو تاريخ الأرثوذكس، أو تاريخ الكاثوليك الملكيين. بالطبع يمكن لهذه التأريخات أن تُكتب، لكن هل تستند بالفعل الى تاريخ حقيقي؟ إن هذه التواريخ جميعًا لا يمكن تصوّرها بالوحدة والتحديد، والبعد والعراقة التاريخيين، وبالتواصلية، التي يُتصوّر بها تاريخ الموارنة.

وعلى اية حال، لا توجد بالفعل (أعني في المكاتب) تواريخ لهذه الجماعات الأخرى بالدقة والشمول والتواصلية التي نجدها في تاريخ الموارنة. هذه التواريخ الأخرى، حين توجد، تخرجك من محدودية الجماعة المعنية الى صلاتها بنفس الجماعة خارج لبنان. أما تاريخ الموارنة فيبقيك في لبنان، على الأقل بعد نزوح مار مارون وأتباعه إليه. وما نعرفه عن الموارنة قبل لبنان كم مهمل نسبياً إزاء ما نعرفه عنهم في لبنان. كون الموارنة لهم بطريرك واحد وكون مقره في لبنان. إنّ هذا أمر حاسم.

التاريخ، بقدر ما هو موجود بالفعل، أعني بقدر ما هو متواصل ومترابط ومتراص وموحد، وبالتالي، بقدر ما هو غير مصطنع، إنما يدل على وجود ذات معين قائم فاعل. تميز الموارنة بتاريخهم المستقل المتواصل المحدد المعالم يدل على انهم هم بالذات هذا الذات المعين المحدد القائم الفاعل الموجود بالفعل. وجود الموجود أول وأخطر عطية يعطاها. ولا يوجد موجود عبثاً. لكل موجود غاية ومغزى ومعنى وسر خاص. لذلك أن يكتفي موجود ما بمجرد وجوده، بمجرد بقائه، إنما يعني انه لم يفقه بعد سر وجوده، كنه غايته، وبالتالي انه سائر حتماً الى العدم، أي الى عدم الوجود.

ليس عبثاً ولا باطلاً، وليس هباءً ولا سدًى، وليس للاشيء ولا للاعلة أو سبب، أن الموارنة وُجدوا، وأنهم يتمتعون بهذا التاريخ الموحّد المتواصل الفذ لألف وخمسمئة سنة. وجود هذا التاريخ، وبالتالي وجود الموارنة ينطوي على سر. أعطوا الوجود، وهذا شيء كثير، وبالتالي يُطلب منهم الكثير. وإذا تأملت كل ما أعطوه بعد الوجود، ومع الوجود، وفوق الوجود، لخلصت الى أن ما يُطلب منهم هو كثير كثير .

وسر عداوة أعداء الموارنة للموارنة هو انهم يحسدونهم لوجودهم لأنهم يريدون أن يوجدوا هم فقط. وليس هذا فحسب، بل يخشون أن يكون لوجود الموارنة سر، وبالطبع لوجودهم سر. وليس هذا فحسب، بل لعلهم يخشون كذلك أن لا يكون لوجودهم هم، أعني لأعداء الموارنة، معنى أو سر، أو لعلهم لا يزالون يتلمسون هذا السر. الوجود في حد ذاته أمر غريب، وغرابته ان سراً دفيناً دائماً يكمن فيه. ولعل الأعداء الحاسدين يهابون سر الموارنة ويخشون أن لا يكون لهم هم سر، أي ان لا يكونوا هم موجودين بالفعل، أي ان يكون وجودهم هم شيئاً مصطنعاً زائلاً. الواثق في وجوده لا يجسد ولا يضمر العداوة لأحد. الواثق من وجوده لا يريد حذف وجود الآخرين. الواثق من وجوده يتسع صدره لوجود الآخرين بل يرحب ويفرح ويثرى بهذا الوجود.

اقرأ الأجزاء الأخرى:         

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل