الأزمة ليست في النظام والدستور بل أزمة سلاح خارج الشرعية
لا أمل في قيام دولة القانون مع وضع شاذ
يقول مسؤول سابق ان الازمة في لبنان في حقيقتها وواقعها أزمة وجود سلاح خارج الشرعية له غطاء خارجي واقوى من سلاح الدولة، وما دام يتعذر ايجاد حل له، فان البلاد ستواجه باستمرار ازمات شتى، تارة تسمى ازمة نظام وطورا ازمة حكم يحتاج الخروج منها الى دستور جديد…
ويضيف ان الانتداب الفرنسي عندما ضعف امام الحركة الاستقلالية في لبنان عام 43 وكانت مدعومة من بريطانيا، استطاع مجلس النواب حذف كل المواد في الدستور المتعلقة بهذا الانتداب لان فئة سياسية لبنانية كانت اقوى من فئة اخرى وسجلت غلبة عليها. وعندما اصبح السلاح في ايدي الفلسطينيين في لبنان يقابله سلاح في ايدي اللبنانيين تحولت الدولة، دولة ميليشيات وانهارت المؤسسات ولم يكن في الامكان اعادة هذه الدويلات الى الدولة الا بعد دخول القوات السورية التي اوقفت الاقتتال، وبعد تعديل الدستور في لقاءات الطائف الذي نقلت بموجبه السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا. وقد اعتبر هذا التعديل انه كان لمصلحة المسلمين وتحديدا السنة على حساب مصلحة المسيحيين وتحديدا الموارنة الذين كانوا يعارضون مس الدستور لانه يعطي رئاسة الجمهورية صلاحيات واسعة يرفضون التنازل عنها، وهذه الصلاحيات اطلقت على الحكم آنذاك صفة "المارونية السياسية" وقد اضطر المسيحيون الى التنازل عن بعض هذه الصلاحيات لانهم ذهبوا الى لقاءات الطائف وهم منهزمون عسكريا بفعل حرب "التحرير" ومن ثم "حرب الالغاء" ومن يهزم عسكريا لا بد ان يهزم سياسيا…
الى السنة فالشيعة
وعندما انتقلت السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، اخذ البعض يصف الحكم بانه حكم "السنية السياسية" الذي كان يشرك فيه من حين الى آخر ما يسمى حكم "الترويكا" اي حكم الطوائف الكبرى الثلاث: المارونية بشخص رئيس الجمهورية والسنية بشخص رئيس الحكومة والشيعية بشخص رئيس المجلس…
وعندما قضت ظروف الاحتلال الاسرائيلي للجنوب بتحول الطائفة الشيعية حزبا مسلحا لمواجهة هذا الاحتلال ونجح في ازالته بالمقاومة والصمود في وجه حرب مع اسرائيل دامت اكثر من شهر في تموز 2006، وهو صمود عجزت عنه جيوش عربية اذ هزمت فيها امام الجيش الاسرائيلي، اصبح لهذا الحزب في لبنان دور عسكري ودور سياسي، فاقتطع لنفسه مناطق لبنانية يواجه فيها اعتداءات اسرائيلية او ينطلق منها بعمليات ضد اسرائيل، وكان له في الوقت نفسه مقاعد نيابية ووزارية بحيث جمع مجد الحكم من طرفيه: العسكري والسياسي واستطاع بفرض هذا الوضع على الآخرين بما فيه الدولة، ان تكون له كلمته في الحرب وفي السلم، وان يجعل ميزان القوى في الداخل يرجح لمصلحته خصوصا بعدما تحالف مع الحزب الشيعي الآخر حركة "امل"، ليشكلا ثنائيا مذهبيا قويا يحتكر قرار الطائفة ويفرض شروطه على الآخرين في الانتخابات النيابية والانتخابات الرئاسية وعند تشكيل الحكومات اذ انه لاول مرة في تاريخ لبنان يقوم تحالف مذهبي ومسلح في مواجهة المذاهب الاخرى غير المسلحة، ولاول مرة تسود الاحادية داخل مذهب وتزول التعددية فيه، وهي حالة لم تشهدها اي طائفة من قبل حتى عندما كانت الطائفة المسيحية مسلحة زمن الحرب مع الفلسطينيين المسلحين في لبنان وقيام نوع من التحالف بين "القوات اللبنانية" وحزب الوطنيين الاحرار، وهو تحالف عسكري كان يدعمه تحالف سياسي من "الجبهة اللبنانية" التي كانت تضم زعماء مسيحيين بارزين، ومع ذلك فان القرار المسيحي لم يكن حكرا على هؤلاء، بل ظل موزعا بين عدد من الزعماء خارج تلك "الجبهة" ولم تعد الاكثرية كما في الماضي اكثرية سياسية وطنية بل اصبحت اكثرية طائفية لا بل مذهبية تعطل النظام الديموقراطي ولا تتقيد بالدستور.
أزمة السلاح
واذا كان لبنان يواجه اليوم ازمة وزارية قد تتحول ازمة نظام تروج لها صحف سورية، ولا خروج منها الا بتعديل الدستور، فان هذه الازمات مردها الى وجود سلاح خارج الشرعية أخل في التوازن السياسي الداخلي ولم يتم التوصل الى حل له. واذا كان كل تعديل للدستور لم يتحقق الا بعد حرب واقتتال ومجابهات وتدخل خارجي فيها، لان هذا التعديل بمعناه الحقيقي يأخذ من طائفة ليعطي طائفة اخرى، فان السؤال المطروح هو: هل لبنان مقبل على حرب لا تنتهي الا بالاتفاق على وضع نظام جديد ودستور جديد او بحصول تطورات وتحولات في المنطقة تنعكس نتائجها على صورة الوضع في لبنان؟
لذلك، فانه ما دام السلاح خارج الشرعية، ولا حل له حتى الآن، فلا سبيل الى قيام دولة قوية قادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها ولا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، وسيبقى لبنان يواجه ازمات عند كل استحقاق الى ان يصير اتفاق على ايجاد حل لوجود هذا السلاح ليصير البحث عندئذ باجواء هادئة في نظام جديد ودستور جديد يتلاءمان والاوضاع في لبنان والمنطقة، لانه قد يتعذر التوصل الى اتفاق مع وجود فئة مسلحة من دون سواها، لئلا يكون هذا الاتفاق اتفاق اذعان بين فئة غالبة وفئة مغلوبة.
وخطورة استمرار وجود السلاح خارج الشرعية خصوصا في اطار مذهبي، هي في القدرة على تعطيل العمل باي نظام وتطبيق اي دستور اي يكفي ان تعلن اي طائفة لاتعددية فيها انها تقاطع انتخابات نيابية او رئاسية وترفض المشاركة في تشكيل اي حكومة، ما لم يؤخذ بشروطها ومطالبها، وهو حاصل تقريبا اليوم، حتى تسقط مقومات قيام الدولة، ويتوقف عمل المؤسسات، ويصبح لبنان خاضعا لشريعة الغاب ولا شرعة فيه لحقوق الانسان…