#adsense

قنبلة الطائفة «النووية»!!

حجم الخط

 قنبلة الطائفة «النووية»!!

من عجب ما يطالعنا من قراءات تحليلة للموقف الايراني في موضوع الملف النووي، تقاير تطلق على المشروع النووي الايراني عنوان «مشروع التشيّع»، وهو مصطلح شديد «الفجاجة» في وقعه على عقل اي قارئ – هذا اذا كان من يقرأ له عقل – بالامس تحديداً وقبيل ذهاب ايران الى اجتماع جنيف الحد الفاصل في لعبة التملص من الضغوط الدولية ومهارة تضييع الوقت العالمي لان «الغرب فتيلتو طويلة» و«الايراني بيدبح بالقطنة»، بالامس تحديداً بدأت الصحف اللبنانية المحسوبة مباشرة على ايران والتي تتلقى تمويلها الشهري منها، بنشر قراءات سياسية مخيفة في استخفافها بخطورة الموقف الدولي، وساذجة وسطحية في ربط الملف النووي الايراني بما اصطلح على تسميته تاريخياً بـ «التشيّع»!!

«التشيّع» اصطلاحاً، حظي عبر تاريخ الفكر الاسلامي بقراءات كثيرة، ومكتبة التراث الاسلامي مليئة بالمباحث والدراسات التي كان فيها التشيّع عنواناً معطوفاً على قراءة مقارنة بينه وبين مصطلح آخر، وعلى سبيل المثال لا الحصر «بين التصوف والتشيّع» و«بين التشيّع والاعتزال»، فورثنا كماً هائلاً من الدراسات الفكرية، واستمر الامر كذلك حتى يومنا هذا، ولكن منذ الامس دخلنا حقلاً اصطلاحياً جديداً «بين التشيّع والسلاح النووي»، لم يحدث في تاريخ الاسلام ان ربط «مذهب فقهي» بـ «السلاح»، وهذا اكثر ما قرأناه خطورة منذ بداية الازمة النووية الايرانية!!

قد تكون من خارج اكثر افادة في التعاطي مع «اصطلاح» نحته بالامس كاتب صحافي في صحيفة لبنانية، مثيراً لحساسيات كبرى، خصوصاً اذا ما حمل ما نقوله على وجه «مذهبي» لاننا من طائفة «اهل السنّة» بالمعنى العقدي والفقهي لا السياسي، سيكون مفيداً اكثر ان نستعين بكتابة معاصرة لمستشرق «الماني» تحديداً – للمستشرقين الالمان تاريخ غير مشتبه فيه او متهم في الدراسات الاسلامية – ودراسة معاصرة تتناسب مع وجود ايران تحت مظلة «نظام ديني بمذهب معين»، فمنذ مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي انشغل الباحثون الغربيون ومراكز الدراسات الاستراتيجية ومعاهد البحث المختصة بالدراسات العربية والاسلامية بتسليط الضوء على التشيّع كظاهرة سياسية وعقائدية وثقافية ونشطوا لمعرفة ادق التفاصيل عن التاريخ الشيعي من حيث الجذور التاريخية ومرحلة التأصيل وربط كل ذلك بالتجربة الحاضرة للمسلمين الشيعة اليوم، واحد هؤلاء المستشرقين البروفيسور هاينز هالم صاحب كتاب «التشيع» الذي وضعه عام 1987م باللغة الالمانية وترجم الى اللغة الانكليزية.

والكتاب يحتوي على معلومات قيمة وذات اهمية عن التشيع، واستعرض في الفصل الاول مصطلح التشيع والنظرية السياسية للشيعة، يقول هالم: «ان التشيع كمفهوم عقائدي وسياسي تعرض لتغيرات وتقلبات بسبب البعد الزماني لحركة التشيع لذا لا يمكن تحديد مفهوم معين له الا اذا اخذنا السياق التاريخي في الاعتبار.. ويعتقد الكاتب ان المسلمين افترقوا الى سنة وشيعة بسبب الوضع السياسي والعقائدي ويتحدث عن النظرية السياسية للمسلمين الشيعة الذين واجهوا السلطة بمعارضة قوية، لم تكن في يوم من الايام مترددة في تسلم السلطة حتى في احلك الظروف التي مروا بها..

والسلطة لدى الشيعة – برأينا المتواضع مجرد عنوان جذاب – يقول ان ليس عملية ممارسة الحكم هي الهدف والغاية بقدر ما هو احقاق الحق ونصرة المظلوم لان الشيعة يعتقدون ان التغيير لا يحصل الا من خلال مفاهيم وقيم عليا لا يمكن تحقيقها الا من خلال السلطة.

وبعد عرض تاريخي يطرح هالم السؤال: متى اصبحت ايران شيعية؟ ولم يحدد المؤلف سنة بعينها لتحول ايران الى دولة شيعية ولكنه يرى ان شمال غرب ايران تحول الى مركز للتشيع مثلما هي الكوفة عقب تسلم السلاجقة للسلطة في بغداد سنة 449هـ، ومع هذا لم تتحول ايران الى دولة شيعية حتى في ظل حكم الاليخانات المغول الذين حكموا ايران ففي سنة 694هـ – 1295م اعلن الاليخان (غازان) اسلامه على المذهـب الحنفي، وسمى نفسه محمود وبذلك دخل الآلاف من المغول الاسلام، وفي سنة 710هـ تحول شقيق الاليخان محمود (اولجيتو) الى التشيع على يد احد اكبر العلماء الشيعة في ذلك العصر هـو (الحسن بن المطهـر الحلي) وادى هـذا التحول الى مجابهـة قوية من السنة في اصفهـان وشيراز وبغداد، ثم عاد الحكم سنياً بعد وفاة اولجيتو.

ويذكر هـالم انه حينما قرر المغول بقيادة هـولاكو غزو بغداد وتمكنوا من احتلالهـا سنة 656هـ – 1258م كان للفيلسوف نصير الدين الطوسي والوزير العباسي ابن العلقمي دور في اسقاط الخلافة العباسية وانهما شجعا هولاكو على ذلك لكنه يذكر ان قرار احتلال بغداد واسقاط عاصمة الخلافة لم يكن قراراً شيعياً بل هو قرار مغولي بحت وهو قبل ان تطأ اقدام المغول بغداد..

ويتناول هالم تأسيس الدولة الصفوية وعلاقتها بالتشيع فيقول: حينما نشأت الدولة الصفوية سنة 906هـ – 1501 م اتخذت تبريز عاصمة لها وبدأ التشيع في مرحلة جديدة حيث تبنى الشاه عباس ونجله طهماسب المذهب الامامي كمذهب رسمي للدولة، وبرز عالم امامي كبير الشيخ علي ابن عبد العال الكركي العاملي الذي كان يقطن النجف آنذاك وجاء الى ايران تلبية لدعوة الشاه إسماعيل الذي منحه صلاحيات واسعة للاشراف على الامور الدينية في عموم الامبراطورية الصفوية، فعمل على توطيد نظرية نيابة الامام الغائب التي انتقلت الى المجتهدين في عصر الغيبة.

ويختم الكاتب بتسليط الضوء على المناظرات التي دارت بين فقهاء الامامية في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين اذ نمت سلطتهم وتعاظم دورهم واصبحوا هم المسيطرون على السلطة الفعلية في الدولة تحت شعار «نيابة الامام الحجة»، فحدث تنافس كبير بين الكركي والاردبيلي، وتفجر خلاف حول رأي فقهي، لكأننا اليوم امام تاريخ يعيد نفسه مع تعديل فقط في اسماء شخصيات المشهد لا اكثر..

بالامس كتب محلل سياسي في صحيفة لبنانية التالي: «لمدينة قم هالة (…) لا سيما انها عاصمة التشيع السياسي (…) مصدر ايراني مطلع قال: «ان بناء المنشأة قرب المدينة تأكيد على ان المشروع النووي بلغ بمرحلته هذه، مرحلة القدسية، وانه بات مرادفاً للجمهورية الاسلامية، كما التشيع، وكما قم التي يربض بجوارها»… هذا الكلام مخيف جداً، وهو ينقل صراعاً تاريخياً بانزياح ولو موقت عن «عنوان استعادة حق اهل البيت بالخلافة» الى «قدسية السلاح النووي» تمهيداً للعودة بالصراع الى عنوانه الاساسي في زمنه التاريخي القديم، انه تاريخ «فارسي» لا يكف عن تكرار نفسه وبمأسوية شديدة…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل