تأخير الحكومة يلقي ظلال الشك على اضطلاع لبنان بموقع دولي
الحديث عن "تقدم" يُغلق محاولات ضغط إقليمية
بدا للمتابعين من خلال اللقاء الذي عقده وزير الخارجية السوري وليد المعلم مع نظيره الفرنسي برنار كوشنير وأعلنا على اثره اتفاقهما على "دعوة اللبنانيين الى تأليف حكومة في اقرب وقت" ان سوريا وضعت نفسها امام الخارج، وتحديدا الغربي منه، ومن على منبر دولة اوروبية بعيدا من كونها عاملا من عوامل تأخير تأليف الحكومة، واخرجت نفسها من واقع اتهامها بذلك من جانب جهات في الاكثرية . وتزامن ذلك مع اصرار سياسيين ونواب في المعارضة على وجود مؤشرات جيدة مبنية على احتمالات او شائعات بايفاد المملكة العربية السعودية موفدا الى بيروت لعرض نتائج اللقاء السوري – السعودي في جدة الاسبوع الماضي، وكأنه بمثابة استدراج من هؤلاء للرياض، بحيث تظهر جهود اي موفد سعودي بمثابة محاولة او سعي الى الضغط على الرئيس المكلف سعد الحريري لتقديم تنازلات من جانبه في تأليف الحكومة، على اساس ان سوريا لا تملك ان تؤثر على العماد ميشال عون، وان السبيل الوحيد الذي يفسح في المجال امام حل العقدة في تأليف الحكومة هو الضغط على الرئيس المكلف.
وهذان المؤشران حيويان للدلالة على ان الامور لا تتقدم في الموضوع الحكومي حتى الان ما دامت تخضع لتكتيكات ومحاولات ضغط على غير ما يوحيه البعض، الى درجة تحديد مواعيد محتملة لتأليف الحكومة تتفاوت بين آخر هذا الاسبوع ومطلع الاسبوع المقبل. وفي هذا الوقت، ترمي المعارضة كرة التعطيل في خانة الاميركيين عبر البحث عما كان وراء اتصال نائب الرئيس الاميركي جو بايدن بكل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف سعد الحريري قبل ايام قليلة، خصوصا انه سبق لرئيس الجمهورية ان التقى الرئيس الاميركي باراك اوباما على هامش اجتماعات الجمعية العمومية في الامم المتحدة، وابلغ اليه عدم امكان المساومة على لبنان او ان يأتي اي حل على حسابه، وهو الامر الذي كرره بايدن في اتصاليه الهاتفيين بسليمان والحريري. ويحاول البعض في المعارضة ان يقرأ في الموقف الاخير لرئيس الهيئة التنفيذية في حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في ذكرى "شهداء القوات اللبنانية" اعتراضا اميركيا ما على التقارب السوري – السعودي مما يمكن ان يؤخر تأليف الحكومة على ما يقول هؤلاء.
وهذا التبادل في الاتهامات يظلل في الواقع الاجواء العامة او اللقاءات مع الديبلوماسيين الذين يحاولون بدورهم استطلاع مدى انعكاس اللقاء السعودي – السوري على لبنان وكيف يمكن ان ينعكس ايضاً على مواقف الافرقاء الذين يراهنون من هنا وهناك على ضغوط من اجل ان يتنازل الفريق الآخر، نتيجة للقاءات الخارجية، وهو الامر الذي لا يساهم في اتضاح الرؤية السياسية فعليا او تثبيت اسباب التفاؤل حتى الان، والذي لا يبدو في مكانه بحسب ما يبدو لهؤلاء، اقله حتى الساعة. وثمة عوامل اخرى تظلل الاجواء العامة، من بينها على نحو خاص على ما يلاحظ بعض هؤلاء، استمرار رمي الكرة الى الخارج او استسهال رميها في الوقت الذي لا تتضح ارادة داخلية فعلية لدى معنيين كثر من الذين يرغبون في ان يكونوا في حكومة وحدة وطنية في العمل من اجل ذلك. ولا يبدو واضحا الحرص على اتصالات جدية متواصلة لمواكبة الخارج الذي يبنى عليه التفاؤل النسبي راهنا، ولا على لقاءات مستعجلة بعيدا من الاضواء تصب في هذه الخانة ايضا، على رغم كل التحديات التي تواجه لبنان على الصعد الداخلية السياسية والاقتصادية، وعلى الصعيد الخارجي على حد سواء . ويبرز في شكل خاص في هذا المجال امران، احدهما يتمثل في الموقف غير القوي الذي وجد الرئيس سليمان نفسه فيه في الخطاب الذي ألقاه امام الجمعية العمومية للامم المتحدة متحدثا عن العمل بدأب على حكومة وحدة وطنية، في الوقت الذي يستعد لبنان لينتخب عضوا غير دائم في مجلس الامن. وقد نأى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد مثلا عن الوضع الداخلي الايراني الذي لا يزال يشهد اضطرابات تثير علامات استفهام على المستوى الدولي وحوّل الانظار الى الملف النووي بدلا من الوضع الداخلي. وعلى رغم ان الامر شبه محسوم لجهة ان لبنان يحتل هذا الموقع، فان تجربة تعقيد تأليف الحكومة باتت تلقي بظلال قوية من الشك على قدرة لبنان على الاضطلاع بهذا الدور.
ويبرز الى الواجهة على الاقل موضوعان يكتسبان حساسية كبرى، على رغم ان هذا الموقع يفرض وجود كلمة واحدة قوية في لبنان في هذا المحفل الدولي، ولو انه يمثل الدول العربية بحيث يمكنه الاختباء وراء موقفها ايا يكن. الموضوع الاول يتصل بكون مجلس الامن لا يزال يتابع دوريا قرارين للبنان امام المجلس، هما الـ 1559 والـ1701. والمسألة الاخرى تتصل بالموضوع الايراني الذي سيكون بالغ الحساسية بالنسبة الى لبنان، خصوصا في ظل التحديات امام تأليف الحكومة ومنع تأليفها حتى الآن.
اما الامر الثاني يتمثل في تأييد دول العالم لبنان على اساس انه دولة سيدة في الوقت الذي يبدو تمسك معنيين كثر بالخارج وتسليط الضوء على انتظار الجهد الخارجي بمثابة عوامل توهن عزيمة هذه الدول في دعم لبنان كما توهن لبنان نفسه على ما يحصل حتى الآن.