حكومة اللامنطق تؤجّل الانفجار ولا تمنعه
امّا وقد انهى الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة النائب سعد الحريري، مشاوراته ومفاوضاته ونقاشاته مع النواب ورؤساء الكتل، وهو الآن منصرف الى الجوجلة والدرس والتمحيص في مجلدات من الافكار والشروط والمطالب، وربما الدلع ايضا او التهديد المبطّن، ليطلع بنتيجتها بتصوّر لصيغة الحكومة العتيدة واسماء وزرائها وحقائبهم، في ضوء الشرطين اللذين التزم بهما بعد اعتذاره عن عدم تشكيل حكومة المرحلة الاولى، وهما المصلحة الوطنية و احترام نتائج الانتخابات النيابية.
واذا قيّض للرئيس المكلف سعد الحريري ان ينجح في تنفيذ هاتين المسلمتين اللتين تعهّد بهما، فانه يكون قد عبر الخطوة الاولى نحو الدولة، وهو شعار الاكثرية النيابية التي على اساسه خاضت الانتخابات العامة وانتصرت.
امّا اذا الزمه الحراك الاقليمي المستجدّ وتصلّب الداخل، على تقديم تنازلات بحجم التنازلات في التشكيلة الاولى، مع حبّة مسك اضافية،سيجد الرئيس المكلّف ذاته امام خيارين لا ثالث لهما، امّا الالتزام بالوعود والعهود والاعتذار مجدداً، وامّا القبول مرغماً بحكومة لا علاقة لها لا بالمصلحة الوطنية ولا بنتائج الانتخابات، ما سوف يثقل كاهله بعبء كبير لا يمكن لسعد رفيق الحريري ان يقبل به.
* * * * *
في هذا الشأن تحديداً، ومع محبتي وتقديري ومعرفتي بطيبة نيّة كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلّف سعد الحريري، وبطريرك انطاكية وسائر المشرق الكاردينال مار نصرالله صفير، ومع ايماني بأن مصلحة الوطن والشعب تأتي في طليعة اهتماماتهم وهمومهم، الا ان القبول بشروط افرقاء معينين على الساحة اللبنانية، تحت يافطة ان لا حكومة، ولا مجلس نواب، ولا استقرار، من دون حكومة الشراكة، والوحدة الوطنية، والحقوق المكتسبة، وهم يقصدون عملياً، ان لا حكومة ولا دولة، ولا مؤسسات، يسمح لها ان تقوم، الا وفق ما ترضى عنه الاقلية التي تحتكر وحدها سلاح التعطيل، القبول بهذه الشروط، يعني ان الجرح قد التأم على زغل، وان الهدوء والامن اللذين ستحملهما هذه الحكومة المفروضة، لن يكونا الا هدنة، وان الذي استمرأ سياسة الشروط والتخويف والتهديد والتعطيل، سيستخدمها عند كل استحقاق، صغيراً كان أم كبيراً، ولن يجد من يردعه او يقف في وجهه، لانه فوق القوة المسلّحة التي يملكها، سوف يملك ايضاً العرف الذي يوازي عند البعض قوة الدستور.
* * * * *
عندما خذلت بيروت في العام 2000 رئيس الحكومة يومها الدكتور سليم الحص، في الانتخابات النيابية، اعتزل الحص الحياة السياسية نزولاً عند ارادة الناس، وتابع عمله الوطني شعوراً منه بمسؤوليته تجاه الناس، وكان يمكن لهذه الخطوة ان تكون سابقة عند رؤساء الحكومة والوزراء او اي مسؤول كبير ينزع منه الشعب ثقته، ولكن بعض المسؤولين والوزراء الذين خسروا في الانتخابات، مرة ومرتين، يهددون اليوم بتعطيل الحياة، ليس الوزارية او النيابية وحسب، بل الحياة في كل لبنان ان لم يتم توزيرهم وبالحقيبة التي يرغبون، فهل يصحّ مع هؤلاء وهل يصحّ مع الناس الذين اسقطوهم، ان يتم توزيرهم لأن الدستور او العرف لم يشيرا صراحة الى هذا الوضع.
وهل يجوز يا سيدنا البطريرك، ان يجرّ مجدداً عربة الحكم، حصان من الامام، ويشدّ بها حصان آخر الى الوراء؟
وهل هذه هي الدولة التي حلم بها عشرات الوف الشهداء، وقدموا ارواحهم ودماءهم قرباناً على مذبح قيامتها، وكيف يصحّ الحديث عن حكومة وحدة وطنية، ونيّة المعارضة المشاكسة وخلق المتاعب للحكم ولرئيس الحكومة، متوفرة ومعلنة على رأس السطح؟
اذا تشكلت الحكومة المقبلة خلافاً «للمنطق» الذي طالما نادى به الرئيس المكلّف، يكون الحكم قد قرر تأجيل المشكلة وليس حلّها، وتأجيل المشكلة قد يكون مفيداً، اذا اتبع بخطوات دستورية سريعة تتوضح فيها جميع النقاط الدستورية المبهمة، بحيث توضع النقاط على الحروف، وتنزع وسائل التعطيل المستندة الى تفسيرات خاطئة، ويكون مفيداً ايضاً تسليم الجميع بدور الدولة، على الصعيد الوطني والسياسي والامني والعسكري والاقتصادي والاجتماعي، وليس احتكار بعضها او كلها كما هو الواقع اليوم، اما اذا كان التأجيل وسيلة للهروب من مواجهة المشكلة، فان المشكلة سوف تنفجر آجلاً، وربما عاجلاً في وجه الجميع، ولن ينجو احد من شرورها.