
قراﺀة موضوعية في خطاب سمير جعجع
كتب دافيد عيسى في "صدى البلد": "ليس سهلاً وضع النقاط على الحروف، وصعب جداً "المشي بين النقط" إنما الاكثر صعوبة هو السير في حقل من الالغام في بلد أخذت فيه الاصطفافات السياسية هذا المنحى الخطير.
سمير جعجع احببته أم لا، أيدته أم لا، وافقته الرأي السياسي أم لا، لكنه لا يمكنك إلا الاعتراف بأنه رقم أساسي في المعادلة السياسية اللبنانية ينتظر اطلالته الخصم والصديق لمعرفة ماذا سيقول.
سمير جعجع قال كلمته السبت الماضي بكل أمانة وصدق بنظر محبيه، وانتُقد واعترض على خطابه اخصامه السياسيون، وهذا حق طبيعي في بلد ديمقراطي مثل لبنان.
سمير جعجع عبّر بطريقة أو بأخرى عن رأي شريحة كبيرة من اللبنانيين يمثل توجهاتهم السياسية ويجب الاستماع إلى رأيهم، بل أكثر من ذلك، فهو أجرى عملية تشريح للوضع السياسي برمته من ألفه إلى يائه، وقد ظهر ذلك من خلال الاهتمام الكبير الذي ابدته وسائل إعلام محلية وعربية وغربية بنقل مضمون الخطاب، مضيفة عليه تحليلات سياسية لموقف جعجع ونظرته السياسية الشاملة للوضع اللبناني.
السبت، كان مهرجاناً لذكرى شهداﺀ القوات اللبنانية، إنما كان وبنظر عدد من المراقبين الخطوة الأكثر ثباتاً بعد خروج الدكتور سمير جعجع من المعتقل في مسيرة بناﺀ وهيكلة حزب القوات من جديد.
ففي الشكل، فالتنظيم اللافت والذي بلغ درجة عالية من الدقة، إن دلّ على شيﺀ، فإنما يدل على ان الحكيم يمسك بكل التفاصيل ويشرف شخصياً على أدق الامور وان ما ظهر خلال هذا المهرجان يدل على ان حزب القوات اللبنانية لا يقل تنظيماً عن أحزاب عريقة وكبيرة كانت ولا تزال فاعلة ومؤثرة في سياسات دولها.
وقول الدكتور جعجع ان القوات ليست حزباً بالمعنى التقليدي للكلمة، فهو كان يعني ذلك، وهي دلالة على ان هدفه هو تحويل القوات إلى حزب نموذجي بنمطه المؤسساتي ونظامه الديمقراطي وقدراته التنظيمية في لبنان.
وفي هذا الإطار ولوضع الامور في نصابها الصحيح يجب علينا الاعتراف بأن القوات اللبنانية وحزب الله وعلى رغم اختلافهما سياسياً هما الحزبان الوحيدان في لبنان اللذان يتمتعان بقدرات تنظيمية كبيرة على صعيد الكوادر والافراد والهيكلية الداخلية من حيث التنظيم والدقة، وهذا ما ظهر ويظهر في الكثير من المناسبات والاحتفالات، ومن يرى التنظيم في مهرجان القوات أو في اي احتفال لحزب الله يرى الفارق الكبير بين هذين الحزبين وبقية الاحزاب السياسية في لبنان.
أما في المضمون، فقد كان اللافت في خطاب الدكتور سمير جعجع التركيز على تمسكه بقيام دولة حقيقية ورهانه على الدولة وعلى مؤسساتها الدستورية، معتبراً ان الدولة لا تقوم من دون تطبيق الدستور، ودستور الطائف الذي تحدث عن الديمقراطية التوافقية والعيش المشترك لم يلغ النظام الديمقراطي اللبناني المبني على اعطاﺀ الشعب كلمة الفصل في الانتخابات النيابية التي على أساسها تشكل الحكومات، فيما تكون المعارضة أو الاقلية في الموقف المصحح والمراقب والمحاسب اذا ما حصلت ثغرات في أداﺀ مجلس، الوزراﺀ السلطة التنفيذية في البلاد وهذا ما يثبت اصرار القوات اللبنانية على خيار الدولة.
وسأل في خطابه وهذا من حقه ايضاً انه اذا كان الجميع مصرّاً على تطبيق اتفاق الطائف، فلماذا يتنصّل في غير مكان عن تطبيق صيغة العيش المشترك.
كما تساﺀل جعجع انه اذا كانت المعارضة تريد الشراكة في الحكومة وفي كل مفاصل الدولة فلماذا لا تشارك قوى 14 آذار في قرار الحرب والسلم وهذا يدل عن ان جعجع يطرح الامور بشفافية وكما هي خصوصاً منها التي لا تــزال موضوع تساؤلات العديد من القوى السياسية والشعبية اللبنانية؟
وتحدث ايضاً عن نقاط استفهام عدة تجول في خاطر شريحة كبيرة من الناس حول الوحدة الوطنية، مستخلصاً ان الوحدة الوطنية هي طريق يجب ان تسلك أولاَ أصول اللعبة الديمقراطية والانخراط في الحياة البرلمانية اللبنانية التي تنظم تنفيذ الدستور واحكامه؟
ورأى الدكتور جعجع ان الازمة بدأت تتحول إلى أزمة نظام وحكم، وانه مرفوض تعطيل عمل الدستور والمؤسسات تحت ذريعة العيش المشترك والتوافق، وقال بانه ليس من احد يريد إقصاﺀ طائفة من صلب النسيج اللبناني عن الحكم، معترفاً بشجاعة بأن حزب الله وحركة أمل هما من يمثلان الشيعة في لبنان، مستشهداً بالانتخابات اللبنانية الاخيرة ونتائجها، معتبراً انه من حقهما تمثيل هذه الطائفة الكريمة في المقاعد المخصصة لها داخل الحكومة، وهذا موقف متقدم سياسياً يساعد على تخفيف حدة الاصطفافات السياسية، لكنه رفض في الوقت نفسه وعن حق ان تضغط طائفة على بقية الطوائف بشكل أو بآخر وبمقاعد الطوائف الاخرى.
والموقف المميز والبارز والذي اثبت عن حكمة الدكتور جعجع كان في الفقرة التي تحدث فيها عن "مصلحة المسيحيين في قيام الدولة" معتبراً ان مصلحتهم هي بالحرية والاستقرار وليس بالحروب، وان قيام دولة قادرة تحمي الجميع، رافضاً ان تكون مصلحة المسيحيين بما يمثلون بتوزير فلان بحقيبة ما من هنا او بحقيبة اخرى من هنالك، وكأن الدكتور جعجع وضع الاصبع على الجرح عندما تساﺀل: هل مصلحة المسيحيين بتشكيل حكومة أو إبقاﺀ البلاد من دون حكومة؟ فلا حماية لأحد ولا مستقبل لأحد ولا ضمانة لأحد في لبنان إلا في مشروع الدولة، واذا كانت الدولة ضعيفة فــلأن جهودنا جميعاً ليست منصبة على بنائها، ولأن البعض يرعى مشاريع تناقض قيامها وهذا موقف يؤكد تمسك القوات اللبنانية بقيام دولة حقيقية وقادرة وفاعلة.
الدكتور جعجع يعرف تماماً ان الرسائل الساخنة كانت دائمة تمرّ عبر الجنوب اللبناني، وبعد الانسحاب الاسرائيلي والقرار 1701 لا يجوز ان يبقى الجنوب ساحة لخدمة أطراف اقليمية ترسل من خلاله الرسائل التي تخدمها ليقع الضرر في المقابل على اللبنانيين جميع اللبنانيين.
وهذا موقف يلتقي فيه حتى مع بعض اخصامه السياسيين.
ويبقى اخيراً انه مهما كانت خلافاتنا السياسية في لبنان كبيرة فان الكثير من نقاط التفاهم موجودة بين القوى السياسية، وهنا يجب الاعتراف بعضنا ببعض لأنه ليس باستطاعة احد ومهما بلغ من قوة ان يلغي الآخر، فالبلد يتسع للجميع ولتكن اللعبة ديمقراطية.