#adsense

خريف تشرين والساعة الرمليّة!!

حجم الخط

خريف تشرين والساعة الرمليّة!!

باقي من الزمن الإيراني ـ السوري ، ذرّات رملية قليلة ، بالكاد حتى نهاية تشرين الأول، والمضحك المبكي في هذا الانتظار الإقليمي ، أن قناة حزب الله توقعت منذ أيام قليلة أن تتم زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى دمشق قبل الثلاثاء المقبل ، وفجأة انقلب تفاؤلها العاجل إلى إحباط فإذا بها تكشف ونقلاً عن مصادر سورية أنّ "الأجواء السائدة لا توحي بأن زيارة العاهل السعودي إلى دمشق وشيكة"!!

بالتأكيد سورية محتاجة في هذه المرحلة إلى زيارة من الوزن العربي الثقيل ، في ظل تأكدها من أنها لم تنجح في ترويج تصورات صحفها عن حاجة "الكوكب الأرضي" برمته لمساعدتها، والمشكلة تكمن في نمط تفكير مصرّ على التعاطي مع شؤون المنطقة التي تغلي بنفس العقلية القديمة التي تفتقد الذكاء الاستراتيجيّ للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد،وهذه أهم مشكلات النظام في سورية في التعاطي مع قضايا المنطقة…

ومن السذاجة بمكان التصور أن رحلة الرئيس السوري إلى جدة ، جاءت من باب "النوايا الطيبة"فقط ، فقد سبقها لقاءان، الأول مع رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان الذي نقل رسالة غير مشفّرة إلى سورية ، فأيقنت أن باب المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل أقفل ولم يعد أولوية ، فإيران تستقطب اهتمام دول العالم ، الذي يدير ظهره الآن لمواضيع واستحقاقات أخرى، هكذا خسرت سورية ورقة ماطلت وطوّحت من أجلها بلبنان وفلسطين والعراق طويلاً ، وبكلفة دماء عالية.

وتلا هذه الرسالة الأولى، زيارة خاطفة للملك عبد الله الثاني إلى سورية ، بالتأكيد نقل فيها رسالة ثانية غير مشفّرة ، ثم تلت هاتين الرسالتين زيارة جدّة التي كانت صحف "معارضة الوصاية" في لبنان قد استعجلت ونفت حدوثها ، ليتزامن كل هذا مع زمجرة "أوبامية" ودولية في وجه إيران ، فقد انتهى وقت اللعب،وانكشف مفاعل قم، وسورية لا تنوي ولا ترغب أن تقفز في الهاوية إذا ما رغبت إيران في ذلك الانتحار الإمبراطوري، فبدأت سريعاً حراكها الدبلوماسي..

لماذا لا تريد سورية أن تقتنع أنها دولة عربية كبيرة ، وبمقدورها أن تلعب دوراً كبيراً في المنطقة ، أكبر بكثير مما يرغب به "كتبة تقاريرها" في لبنان ، والمشكلة أن الرئيس بشار الأسد كان بمقدوره أن تكون أجندته حافلة بمواعيد يومية مع رؤساء دول العالم العربي والغربي،إلا أنه حبس نفسه في لقاءات لا تتناسب ومنصبه الرئاسي ، فبدلاً من أن يلتقي الرؤساء العرب بشكل دوري ، يستقبل ـ حشا قدره الرئاسي ـ وئام وهاب وقنديل البحر وسليمان فرنجية وعبد الرحيم مراد وطلال أرسلان ووجيه البعريني، ثم أخرج الشعب السوري إلى شوارع دمشق لاستقبال الجنرال ميشال عون ، وإذا ما كبر حجم الزائر اللبناني نسمع بزيارة لأمين عام حزب الله إلى دمشق!!، وثمة احتمال أن ينضم إلى اللائحة "العروبي التائب" العائد إلى الحضن الدمشقي الدافىء بحسب ما التقطته راداراته من إشارات المرحلة، فيما العلاقات الرئاسية والحكومية بين لبنان وسورية شديدة الخجل…

ثم ما زالت دمشق مصرة على ممارسة العقلية القديمة في التعاطي مع لبنان ، وحتى الساعة لم تقتنع أن التعامل الدبلوماسي بينها وبينه هو الطريق الصحيح لبناء علاقة وطيدة بين البلدين ، وأن إقلاع صحفها عن تهديد النظام اللبناني واعتباره ميت سريرياً هو أولاً لمصلحتها، لأنه إضرار مباشر بنظامها وصورته دولياً والتي يحاول التأكيد على أنها لا تتدخل في الشأن اللبناني، فيما دول العالم أذكى بكثير من أن ينطلي عليها هذا التبرؤ، لأنها صارت تعرف اللعبة السوريّة المفضّلة، وما على المشككين في صحة هذا التوجه إلا مراجعة المؤتمر الصحافي المشترك بين وزيري خارجية فرنسا وسورية ، حيث خالف الأول نظيره الرأي ، بل وناقضه ولم يوافقه في جميع مواقفه!!

مشكلة دمشق أنها مصرة على أن لبنان جزء مقتطع منها ، وهذا الإصرار يقتصر على لبنان ولا يشمل الإسكندرون مثلاً ، وإذا أراد العالم أن يعيش بعقلية تبعية الدول لبعضها في زمن سلطات امبراطوريات زالت، فسورية نفسها في ذلك الوقت كانت تابعة وخاضعة وجزءاً من عاصمة السلطنة اسطنبول وكذلك مصر وكل دول العالم العربي، بهذه العقليّة يحق لإيطاليا استعادة ثلاثة أرباع دول العالم لأن روما حكمتهم زمن الإمبراطورية الرومانية..

والمشكلة الثانية أنها لم تستطع بعد بل ولا تريد أن تتقبل فكرة أنها خرجت من لبنان ، وأنها هي التي رفضت الإصغاء لكل صوت لبناني وعربي ودولي طالبها بذلك فصنفته في إما في خانة العمالة وإما في نظرية المؤامرة ، حتى كان من كان ، وهو أمر على دمشق أن تتيقن من أن اللبنانيين هم فيه مثلها، لم ينسوا السبب الذي مكنّهم من إخراجها من وطنهم مثلما لم تنسَ هي الطريقة التي خرجت بها، وما تكرارها لجملة أنها: "لا تريد العودة إلى لبنان" إلا تأكيد على رغبتها الشديدة في العودة ، ولكن، هيهات..أنّى لها أن تعود فـ "زمان الأوّل تحوّل"، وتحوّل أكثر مما تصورت..

ساعة المنطقة الرملية تنفد ، والوقت شارف على قرع أجراس الخطر،وصحافة المعارضة اللبنانية تتصرف بأسوأ مما قد نقرأه في صحف دمشق،وفي حشرة المنطقة هذه، ومع المطالبة بمحكمة دولية للتحقيق في انفجارات بغداد الدامية في آب الماضي ، يزداد الموقف السوري حراجة، ومع هذا تحاول معارضة لبنان التصوير، لنفسها ربما، أنّ زيارة ملك السعودية حاجة لمملكة يحتاجها العالم الأول اليوم للخروج من نفق زلزاله المالي،لا كما هي حقيقة الأمر،أن الزيارة حاجة لسورية المعزولة عربياً منذ سنوات أربع..

وسيبقى السؤال الأبرز، ما هو مضمون الرسالتين اللتين تلقتهما سورية عبر الوسيط التركي أولاً ، ثم عبر ملك الأردن في زيارته الخاطفة… المهم أن تتمّ الزيارة الأسبوع المقبل،وأن تكفّ بعض صحافة دمشق ولبنان عن محاولة الاستثمار المتبادل الفاشل لهذه الزيارة بمنطق الربح والخسارة ، وليتذكروا أن خادم الحرمين الشريفين هو من قلب الطاولة على رؤوس الجميع في قمة الكويت وأعلن بدأ زمن المصالحة العربية..

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل