حكومة "تصريف" الآمال.. أم الأعمال؟
يدخل لبنان في الأيام القليلة القادمة، مرحلة أقل ما يقال فيها انها "حاسمة"، تفصل بين تاريخين متناقضين، الأول عنوانه المواجهة التي استنفدت خلال سنوات شتى أنواع الخلاف السياسي وغير السياسي، والثاني، وهو ما يعتزم ترجمته الرئيس المكلف سعد الحريري، وعنوانه "الوحدة الوطنية" عبر حكومة تمثل كل اللبنانيين، للخروج من الحلقة المفرغة التي ما لبثت في الاتساع خلال الفترة الماضية.
"الإيجابية" التي ظهرت خلال الاستشارات المطولة التي اجراها الرئيس المكلف مع الكتل النيابية، لها أن تخلق جواً من "التفاؤل" في إمكانية الوصول إلى ولادة حكومية قريبة قياساً لجملة من المعطيات، أولها رغبة الحريري في إشراك الجميع في أول حكومة يرأسها وفي هذا الظرف بالحديد.
ثاني المؤشرات، "الليونة" التي تظهرها مختلف الكتل النيابية والرغبة "المزمعة" في تسهيل مهمة الرئيس الحريري، والتي ظهرت بالتحديد في الأيام القليلة الماضية، ويبقى لها أن تنعكس على أرض الواقع وتتحول من "الكلام المعسول" إلى العمل الدؤوب لـ"التخفيف" من الشروط التعجيزية التي عرقلت أولاً وعليها أن لا تعود إلى "العمل" في التأليف الثاني، إذا صدقت "الأقوال".
الأجواء "المشمسة"
في ثالث المؤشرات التي تؤكد هذه الأجواء "التفاؤلية" و"المشمسة" كما قال الرئيس نبيه بري، هو التقارب السوري السعودي، والذي ينحو إلى مسيرة تصاعدية بعد فترة من الفتور رافقت التأليف الأول، ولعل الأدلّ على هذا المنحى التصاعدي، زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المرتقبة في الساعات القليلة المقبلة إلى العاصمة السورية، وما يحكى عن تحضيرات في دمشق "لجعل الزيارة حدثاً بحد ذاته"، وهذا ما يوحي بنية لدى النظام السوري، في مراجعة بعض الملفات التي باعدت بينه وبين الأفرقاء العرب، بدءاً من جدة وصولاً إلى القاهرة.
أما المؤشر الرابع، وهو "الغير واضح" المعالم لغاية الآن، يعني بالدرجة الأولى إيران وحوارها مع المجتمع الغربي، وإذا كان سفيرها في لبنان قد أعلن أن بلاده لا تتدخل في تشكيل الحكومة اللبنانية، إلا أن عودة قليلة إلى الماضي القريب بحسب ما يقول النائب عمار حوري، تكفي للدلالة على هذا الشيء، فحوري انطلق من خطاب السيد حسن نصر الله الأخير والذي "افتخر فيه بالانتماء إلى المحور الايراني السوري" ليقول: "إذا حصل تطورات ايجابية في ايران وسوريا عن طريق علاقتهما مع المجتمع الغربي فهذا سينعكس إيجاباً على تشكيل الحكومة انطلاقاً من قاعدة تدخل هذا المحور لدى حلفائهم في لبنان لإجبارهم على الحد من شروطهم التعجيزية، والتي تعيق عملية التشكيل".
أيام حاسمة
انطلاقاً مما تقدم، يتضح أن الأيام القليلة المقبلة سيكون لها تأثيرها على العملية السياسية ككل، وليس فقط على موضوع تأليف الحكومة، وهذا ما يؤكده النائب هاني قبيسي لـ"المستقبل"، وبالتالي من الأهمية بمكان أن ينعكس الجو الإيجابي الذي رافق المشاورات على المرحلة المقبلة وتكون كل القوى في موقع "المسهَل" والمساعد على الوصول إلى حكومة "وفاق وطني حقيقي".
في الاستشارات النيابية التي اجراها الرئيس المكلف يشير حوري إلى أن الحريري "قام بورشة حوار وطني حقيقي تطرق خلالها إلى قانون الانتخابات العصري وما لم ينفذ من الطائف من بنود، وطريقة مكافحة الارهاب على أنواعه، وصولاً إلى التساؤل عما إذا كنا نعاني من أزمة نظام أم أزمة حكم"، وبرأي النائب عن كتلة "المستقبل"، أنه في ظل كل هذه "التساؤلات استمع الحريري لأجوبة مختلف الكتل مكوّناً مروحة واسعة من الأفكار التي يعمل على ترجمتها بشكل مشروع متطور وحديث يمكن أن يسقط عليه الحقائب أولاً والأسماء ثانياً، مع الأخذ في الاعتبار أن ليس المطلوب فقط صورة تذكارية للحكومة العتيدة، بل يجب أن تعبر عن وفاق حقيقي مغاير لما كان عليه الوضع في حكومة تصريف الأعمال الحالية".
المرونة
أما قبيسي وفي حديثه لـ"المستقبل"، فاعتبر أن الأيام القليلة القادمة "تشكل مفصلاً لتحديد مسار العمل السياسي في لبنان في اتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية، والاتصالات الحاصلة من شأنها تحديد مصير لبنان في المرحلة المقبلة"، ولم يخف على نائب كتلة "التحرير والتنمية" الإشارة إلى "اهمية الأجواء الايجابية التي ترافق عملية تشكيل الحكومة والتي تنعكس على الجو السياسي بشكل عام".
"المرونة وحدها تفيد، والحوار هو الذي ينفع لأن اللبنانيين جربوا في السنوات الماضية الابتعاد والتناحر ولم يأت من وراء هذه السياسات إلا الضرر على البلد"، يقول قبيسي، ويضيف: "على كل الأفرقاء مواصلة هذه الايجابية التي ظهرت في مرحلة المشاورات، والتي يجب أن تنعكس على المفاوضات حول الحقائب والاسماء وعلى الجميع أن يتصرفوا بمسؤولية ويواصلوا إيجابيتهم".
أهمية الوفاق
يلتقي قبيسي مع حوري على التأكيد على أهمية التقارب العربي العربي، وانعكاس الجو الإقليمي على لبنان، لكن قبيسي عاتب على "بعض الذين يشككون بأجواء التقارب الحاصلة وكأن التفاؤل غير مسموح وغير محبب، ولكن نأمل من الجميع أن يسعى لدعم هذه الاجواء والتقارب الحاصل لأنه سينعكس إيجاباً على الواقع اللبناني".
وفيما يتحدث قبيسي عن اهمية تشكيل الحكومة بأسرع وقت، يشدد حوري على أنه "من المهم أن يكون في داخل الحكومة العتيدة فريق عمل متجانس ويمثّل الجميع، وتجربة التناحر في حكومة تصريف الأعمال خير دليل على أهمية التجانس في الفريق الحكومي"، ويبقى أن "الوفاق الوطني يحتاج إلى تنازلات متبادلة، ومن الجميع"، والأيام القليلة المقبلة ستحدد مصير "هذا الوفاق" ورغبة الأفرقاء كافة في إصلاح الوضع "الشاذ".