لبنان بين الملفات المرتبطة بالنووي مرونة إقليمية في مرحلة اختبار
لم يكن لقاء جنيف بين الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الامن اضافة الى المانيا، وإيران يوم الخميس الماضي مفاجئا لعدد كبير من المراقبين. ويعود ذلك الى سببين على الاقل، احدهما ان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد استبق اللقاء قبل يوم واحد بتقديم عرض مفاده "تولّي طرف ثالث تخصيب الاورانيوم على المستوى المطلوب للوقود عوض قيام بلاده بهذه العملية". وهذا هو احد ابرز مطالب الولايات المتحدة الاميركية والغرب من ايران، التي كانت ترفضه حتى الآن تحت عناوين حقوق ايران وسيادة الدولة… وما الى ذلك. والامر الاخر يتصل بأن الضغوط الدولية التي اسفرت عن تفهم روسيا لموضوع فرض عقوبات على ايران، وفق ما كان صرح به الرئيس الروسي في نيويورك على اثر كشف نظيره الاميركي موضوع المنشأة الايرانية الجديدة في قم، باتت تنذر بفقدان ايران الثغرة المتمثلة في عدم وجود اجماع لدى المجموعة الدولية ضدها. وكانت روسيا، التي لها مصالح كبيرة مع ايران، تتردد في الموافقة على عقوبات اضافية ضدها على رغم حذرها من حصول ايران على قنبلة نووية ورفضها لذلك، لكن بات الوضع محرجا لها بعد الكشف عن المنشأة الجديدة، وتاليا فان لقاء جنيف كان ثمرة الضغوط، الى جانب الجزرة التي هي في الاصل مطروحة على ايران ايضا منذ بعض الوقت. وبهذا المعنى، فان الحوار الذي لم يستغرق سوى ساعات في جنيف، لم يكن هو الذي ساهم في وضع اللبنة الاولى لحل مشكلة الملف النووي الايراني، بل ان هذا اللقاء – او الحوار – توّج المساعي في هذا الاطار وساهم في تظهيرها علنا. من دون ان يعني انه لم يكسر حاجزا علنيا كان قائما وفتح الباب امام امور قد تتحقق او لا تتحقق في الاشهر المقبلة.
وبما ان الكثير مما جرى في لبنان ويجري في المنطقة يربطه كثر بالملف النووي الايراني، من حيث الاعتقاد لا بل الاقتناع ايضا بتنظيم ايران حماية متعددة الوجه له في المنطقة وعبرها، فإن ثمة اسئلة تبرز الى الواجهة عن مدى تأثير هذه المرونة وما اذا كان لها تداعيات او انعكاسات من اي نوع.
وفي رأي مراقبين متابعين، فإن هذه الحلحلة في حاجة اولا الى ان تثبت جديتها، باعتبار ان الخطوة الايرانية ربما تدخل في اطار التكتيك وكسب الوقت، وربما هناك ايضا منشآت اخرى غير معلنة، وحتى ايضا بالنسبة الى كمية الاورانيوم التي كشفت عنها ايران وتنوي تخصيبها في الخارج، او ان شروطا يمكن ان تبرز او عرقلة من اي نوع كان. وهذه النقاط لم يخف الاميركيون خصوصاً حذرهم منها نتيجة تجارب سابقة من هذا النوع بعد سنوات من الشكوك وعدم الثقة، الى حد وصفها من الرئيس الاميركي بأنها "بداية بناءة"، علما ان الحذر قد يكون متبادلا ايضا. لكن اذا ثبتت هذه الخطوة فان استكمال الحوار الذي بدأ في جنيف يكون قد حَلَّ نقطة واحدة تشكل في الواقع مشكلة كبيرة في العلاقات مع ايران، خصوصا ان هذا الموضوع حيوي واساسي بالنسبة الى الولايات المتحدة والغرب، وكذلك الدول في منطقة الشرق الاوسط، وبالنسبة الى اسرائيل ايضاً، اذ ان حل المشكلة يريح الادارة الاميركية برئاسة الرئيس باراك اوباما ويعطيه دفعاً قوياً، باعتبار ان الملف النووي الايراني احد ابرز الملفات التي تشكل تحديا للادارات الاميركية منذ اعوام نتيجة الخوف من هذا الملف على اسرائيل، كما يريحه في العلاقة مع اليهود داخل اميركا، مع اسرائيل الضاغطة في شكل اساسي في الموضوع الايراني والمتصلبة ازاء اي تعاون في موضوع السلام في المنطقة، بذريعة الملف النووي الايراني.
والاسئلة من هذا النوع تنسحب ايضا على مدى امكان افادة ايران او توظيفها الجنوب اللبناني مجددا، على الاقل بالنسبة الى من يعتبر ان لسلاح "حزب الله" وظيفة اقليمية تتصل بحماية ايران لملفها النووي من التهديدات والاخطار الاسرائيلية ضدها من لبنان بالذات، متى شهد هذا الحوار بين الدول الكبرى وايران تقدما حقيقيا في المدى المنظور.
ويعتقد المراقبون المعنيون ان المشهد الاقليمي سيتغير تبعا لتطور الحوار لكنه لن يكون تغييرا جذريا بناء على ما حصل حتى الان، اذ انه يرتبط بحوار مختلف مع طهران وفقا لتطور الانفتاح بين الولايات المتحدة وايران، علما ان لقاء اول يتيماً عقد على نحو جدي بين الطرفين على هامش لقاء جنيف. وهذا الحوار يرتبط بمفاوضات شاملة توضع على الطاولة، وسبق لكل من الولايات المتحدة وايران ان رسمتا اطرها، كلٌّ من مفهومها ووجهة نظرها، بحيث تتناول هذه المفاوضات الاوراق التي في يد ايران بدءا من العراق وصولا الى فلسطين عبر حركة "حماس" وصولا الى "حزب الله" في لبنان حتى افغانستان، وفقا لما حدّدته ايران بالذات، فالمفاوضات من هذا النوع ستركّز على الدور الذي تود ايران تكريسه لنفسها في المنطقة، ابعد من النفوذ الذي تمارسه راهنا في عدد كبير من القضايا، في مقابل التعاون او التخلي عن بعض الاوراق، وهذا امر سابق لأوانه ويتطلب الكثير من الوقت.