علاقة شخصية تجمع الزعيم الدرزي بالثلاثي سعيد وفرنجية وعطاالله.. ولكن ماذا في السياسة؟
حوار جنبلاط ـ "الأمانة العامة": "مكانك راوح"… والعودة «الاشتراكية» مؤجلة
كتبت كارين سالم في "السفير": كان الموقف الأخير لرئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط من الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار، بمثابة اعلان يأس كامل من هذه المجموعة، فهو خاطب سائليه عن الحوار مع الأمانة العامة بالقول «عن اية أمانة عامة تتحدثون. يجب عليهم أن يتطلعوا الى اللحظة الاقليمية ويا ليتهم ينتقدون مواقف أميركا في المنطقة بدل أن يقفوا فقط عند مخزن للسلاح في خربة سلم».
هذا اليأس من «سياسة» الأمانة العامة، لا يغير في واقع العلاقة الطيبة التي تربط جنبلاط بمجموعة تاريخية تتأثر بالدرجة الأولى بمواقفه، ويستفيد من علاقته بها محاولا التقاط حساسيات معينة يبدو أن هؤلاء صاروا كلهم يمثلون حساسية واحدة، فضلا عما يمكن أن يوفروه اليه من معلومات بعدما أصابه الممل من التحليلات.
ثمة ثوابت عدة تحكم «حتى الآن» علاقة «الأمانة العامة» لـقوى 14 آذار مع النائب وليد جنبلاط. ثوابت، التباين والالتقاء، تم «ترسيم حدودها» في الاجتماع الأول الذي عقد بين الطرفين في أواخر شهر آب المنصرم والاجتماع الثاني في 24 أيلول، وأهمها أن «قائد الفوج» الوسطي اليوم خرج من فريق 14 آذار وليس من الأكثرية النيابية. بناءً على هذا الواقع تبقى كل الأبواب مفتوحة للتوصل الى قراءة سياسية موحّدة، الهدف «الاستراتيجي» لها هو إعادة جنبلاط الى الحضن الأكثري والى أدبيات «ثورة الأرز» الضائعة. «الأمانة العامة» مقتنعة بأن جنبلاط لم يكن جزءاً من مشروع محاولة إسقاط الأكثرية عندما قرّر الخروج من 14 آذار، وهذا يعطي مشروعية برأي «صقورها» لمحاولات تقريب المسافة مع الزعيم الدرزي، والاستماع الى هواجسه و«خصوصيته» واستيعابها… والتصرف على أساسها.
لكن عندما يطلّ سمير جعجع من جونية بخطاب تعبوي وتجييشي بعد أيام قليلة من جلسة المصارحة الثانية، تضج المختارة بتساؤلات عن جدوى الحديث مع «المتشدّدين» الآذاريين. مع ذلك يواظب النائبان أكرم شهيب ووائل أبو فاعور على بث الأجواء الانفتاحية في قنوات الاتصال الخجولة.
يؤكد محاورو جنبلاط أن كل فريق 14 آذار والأكثرية النيابية يتبنون خطاب جعجع، وينزعون صفة التصعيد عنه «لقد اعترف بحق الطائفة الشيعية بالتمثيل الكامل في الحكومة، وطالب بتمثيل مسيحي يعكس نتائج الانتخابات واعتبر أن أسوأ دولة هي أفضل من أي «مشكل» أمني في البلد وشدّد على حكومة تراعي أحكام الدستور… فأين التصعيد في خطابه؟». لا يعتري القلق أعضاء «الأمانة العامة» من أي انعكاس سلبي لهذا الخطاب على الحوار الهادئ الدائر مع رئيس «اللقاء الديموقراطي». أكثر من ذلك «ملائكة» جنبلاط كانت حاضرة في قداس شهداء «القوات اللبنانية» وهذا بحدّ ذاته دليل على رضى «البيك» على «فشة الخلق» المسيحية في صفوف الأكثرية.
من أين بدأ «حوار الحلفاء»، وما هي حصيلة الاجتماعين اللذين عقدا بفارق نحو شهر؟ سارع النائب جنبلاط بعد «الإعصار» الذي أحدثه خطاب الجمعية العمومية لـ«الحزب الاشتراكي» إلى توضيح مبررات انعطافته أمام حلفائه «بالمفرّق». إلحاح زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري أفضى إلى مشاركة «المشاغب» في لقاء قريطم لنواب الأكثرية ، لكن أوساط «الأمانة العامة» تؤكد أن الجولة الحوارية الأولى بين منسّق «الأمانة العامة» الدكتور فارس سعيد وسمير فرنجية والياس عطالله وبين رئيس «اللقاء الديموقراطي»، كانت الدافع الأساس للمشاركة الجنبلاطية في اجتماع قريطم «اليتيم».
علاقة شخصية متينة تجمع جنبلاط «بالمفاوضين» الثلاثة سعيد وفرنجية وعطالله، ومعهم الوزير وائل ابو فاعور من «المقلب الجنبلاطي»، وهذا ما يعطي للمفاوضات زخماً قد يكون مفقوداً مع شخصيات أخرى من «الأمانة». هم أصلاً تولوا مهمة الاتصال بجنبلاط منذ ما قبل العام 2000، وتوطدت العلاقة أكثر خلال محطات «ثورة الأرز».
اتفق الطرفان منذ البداية على وضع كل المادة الخلافية على الطاولة وعلى عقد لقاءات دورية على مستوى «الصف الأول»، فيما التواصل بين شخصيات 14 آذار ووزراء ونواب «اللقاء الديموقراطي» هو يومي ويتناول مجمل التطورات السياسية. تجزم أوساط «الأمانة العامة» بأن مشاورات التأليف الحكومي المتعثرة لم تكن وراء التأخير في حصول اللقاء الثاني. «فهذا الموضوع ليس مطروحاً على طاولة البحث مع جنبلاط. والحادث الذي تعرض له فارس سعيد هو السبب الأساسي للتأخير».
الحلقة الحوارية الثانية مع جنبلاط تناولت «تشريح» المخاطر التي تهدّد الساحة الداخلية اللبنانية وعرض أوجه الخلاف حول طريقة مواجهتها.
يشكو مفاوضي جنبلاط من أن العوائق الأساسية أمام تماسك الجبهة الداخلية «هي وجود سلاح «حزب الله»، كما أن «السوري» الذي يتدخل أكثر من أي وقت مضى في تفاصيل اللعبة الداخلية، والخطر الجدي بتحوّل التجاذب السياسي الحاصل الى مادة مواجهة أمنية وعسكرية على الأرض قد تحرق أصابع الجميع، لأن الفتنة الداخلية لا ترحم».
وجهة النظر الجنبلاطية تتمحّور حول اعتبار أنه «مهما كان الثمن المفترض أن يدفع لـ«حزب الله» وسوريا، يجب أن يتم دفعه للحؤول دون وقوع عملية أمنية قد تقلب الطاولة على رؤوس الجميع». ضمن هذا السياق يوجّه جنبلاط طلباً صريحاً لقوى 14 آذار بأن «الحقوني».
وجهة النظر التي تعكسها «الأمانة العامة»، بجميع ممثلي القوى فيها، تقوم على أساس أن الاستسلام السياسي لـ«حزب الله» والسوريين ليس الوسيلة الفضلى لحماية الكيان اللبناني من أي انتحار أمني، ويجب البحث عن وسيلة أخرى لمواجهة واقع الابتزاز الحاصل الذي يُفرض على الفريق الآذاري والمستند على معادلة الخضوع أو السلم الأهلي في تكرار للمعادلة التي كانت قائمة قبل 2005: سوريا أو السلم الأهلي.
يستصعب «الآذاريون» إقناع «حليفهم السابق» بأن معادلة المفاضلة بين «خيارين» قد تمت مواجهتها منذ العام 2005 بمقاربة سياسية وحالة ممانعة قائمة على رصّ الصف الداخلي واثبتت نجاحها، وهذا يعني إمكان ايجاد نسخة معدّلة من أسلوب المواجهة السابق. لكن «الأمانة العامة» لا تملك أي تصوّر «في الجيبة» حول مرحلة المواجهة المقبلة، وإن كان الهدف بالغ الوضوح: منع «حزب الله» ودمشق من استثمار أي أعمال أمنية محتملة وترجمتها في السياسة مزيداً من المكاسب.
في الاجتماع الأخير مع جنبلاط أكد «الآذاريون» أن فريق الأقلية عجز في السابق عن استثمار «انتصاراته الوهمية»: بعد ساعات من «انقلاب» السابع من أيار سارت تظاهرة في شوارع بيروت ضد استخدام سلاح المقاومة في الداخل(…) فرضوا الثلث المعطّل وانتخاب رئيس ليس من فريق الرابع عشر من آذار و«حرّموا» الحديث عن السلاح، لكن أول جلسة نيابية شهدت كلاماً كبيراً في شأن ما حدث في بيروت، وجهد الرئيس نبيه بري لشطب الكلام العالي النبرة من محاضر مجلس النواب. أتت الانتخابات وخسروا بقانون هم الذين فرضوه. في حساباتهم ذلك يعني سقوط 7 أيار. وصلت الرسالة مرة جديدة بوضوح الى آذان الزعيم الدرزي. كرّر «لازمته» حول مخاطر الفتنة الداخلية وضرورة قراءة المعطيات الاقليمية، ودّع محاوريه من دون الاتفاق على موعد اللقاء الثالث. يتحدث الآذاريون عن «أمل» بتحريك المياه الراكدة مع جنبلاط و«الأهم أننا لم نصل الى الأفق المسدود».
خلافاً «للصيت الشائع» عن جنبلاط باعتباره القارئ الأبرع في فنجان المنطقة والعالم، ثمة في «الأمانة العامة» من ينزع عن «البيك» هذه «الموهبة» ويشكك في وجودها أصلاً. «ارتعب زعيم المختارة من أن يصبح ضحية تقارب اميركي سوري افترض أنه يسلك «الطريق السريع»، فإذا بالاندفاعة الجنبلاطية تتفرمل تحت ضغط العناد الأميركي من تسليف سوريا من دون أخذ «الكثير» في المقابل، واتضح لاحقاً له أنه ليس هناك من عملية «بيع وشراء» في المنطقة».
بالمقابل الفكر الآذاري الاستراتيجي يقوم على ثابتة أساسية «أي صفقة محتملة ينبغي مواجهتها، وإذا حصلت لماذا الاستسلام لها». هذا بالتحديد ما يخشاه اليوم وليد جنبلاط وينبّه حلفاءه المفترضين من الانجرار اليه.
ولا يخفي أحد القياديين تفهمه للخصوصية الجنبلاطية بعد الحادي عشر من ايار 2008. فقد كان هناك من يعتقد أن الجبل الدرزي محيد وجاءت الوقائع لتثبت له أنه الهدف الأول، ولذلك قرر جنبلاط أن يقوم بانعطافة كبيرة مضمونها الأساس حماية الجبل الدرزي، وثمة قناعة لديه أنه بمسايرة السوري يحمي الداخل ويحصنه وهذه نقطة اختلاف أيضا.
يرد مقربون من جنبلاط أنه من غير الجائز المبالغة في موضوع الخصوصية، لكن على الجميع أن يعلموا أن وحدة المسلمين وخصوصا السنة والشيعة هي أفضل حماية للمسيحيين قبل المسلمين، اذ أن أي فتنة سنية شيعية لن يكون المسيحيون بمنأى عن تداعياتها.
يتناوب ممثلو قوى 14 آذار في «الأمانة العامة» على تلاوة بيانات يوم الأربعاء. لغة مخفّفة ودبلوماسية لا تستفز حليفهم الدرزي مع «وقف التنفيذ». مع ذلك لا يزال مندوب «الحزب الاشتراكي» يقاطع اجتماعات الأمانة العامة. ملاحظات «حزب الكتائب» على أداء «الأمانة العامة» تم الأخذ بها، وميشال خوري وساسين ساسين عادا عن اعتكافهما، أما ميشال مكتّف فيحضر بصفته كمستقل. ممثلو «الاشتراكي» و«اللقاء الديموقراطي» لا يزالون وحدهم «خارج الكادر». شركاؤهم على الطاولة الآذارية يتفهمون الدوافع «مكانهم محفوظ. الخروج جاء نتيجة موقف سياسي ومن الطبيعي أن لا نراهم قريباً بيننا في الأشرفية».