إرفع رأسك
القول المأثور "عند تغيير الدول إحفظ رأسك" له تعديل استناداً الى تجارب ثورة الأرز. فمن حول لبنان الدول تتغيّر وان بدا الى حين ان المشهد ساكن، والمثل هو في ما جرى في افغانستان والعراق وفلسطين، وكل ذلك في أقل من عقد من السنين. لكن الدعوة الى حفظ الرؤوس لا تناسب الصحافة التي إن ارادت ان تثبت حريتها عليها ان ترفع رأسها، وهذا هو حال "النهار" التي جاءتها الضربة في محاولة اغتيال مروان حماده التي مرت على ذكراها في الاول من تشرين الاول عام 2004 فلم تحن رأسها. ثم كانت الضربة التالية في 2 حزيران 2005 فأسالت دماء سمير قصير بدل حبره ولم تحن "النهار" رأسها، لتأتي الضربة الثالثة التي ارادوها ثابتة ولم تكن كذلك فكسروا ريشة جبران تويني في 12 كانون الاول 2005 ورد غسان تويني في اليوم نفسه: "جبران لم يمت و"النهار" مستمرة".
انها ضريبة ان ترفع الصحافة رأسها في زمن طأطأة الرؤوس. ولمن فاتته القصة التي رواها جورج بكاسيني عليه ان يقرأها في كتابه الوثيقة "الطريق الى الاستقلال خمس سنوات مع رفيق الحريري" الذي يروي حكايات مذهلة عن زمن الوصاية السورية. ومنها حكاية رواها الرئيس الشهيد عن لقاء شهير جمعه في دمشق والرئيس السوري بشار الاسد في 2 كانون الاول 2003 في حضور اللواء غازي كنعان والعميدين رستم غزالة ومحمد خلّوف، قال: "(…) اتهموني أيضاً بالوقوف وراء حملة جريدة "النهار" على التمديد لـ(الرئيس اميل) لحود، وطالبني (الاسد) ببيع أسهمي فيها خلال 48 ساعة(…)". وفي تفاصيل الحكاية الموجودة في كتاب بكاسيني ايضاً ان العميد رستم غزالة بعد تسلمه نسخة من عقد البيع مع الصحيفة "أبدى انزعاجاً لدى قراءته نصه، لأن الدفع لم يكن فورياً". وبعد أشهر ضرب زلزال الحقد "النهار"، وهذا ما سيرويه بلا ريب كتاب المحكمة الدولية الذي يعكف الآن جيش من المؤلفين المتخصصين على كتابته.
قبل أيام، وعبر قناة "المنار" التلفزيونية التابعة لـ"حزب الله"، أطل أحد كبار الصحافيين في النظام السوري ليقلل من أهمية ما كتب في صحيفة "تشرين" الرسمية عن اعتبار "النظام اللبناني في حالة موت سريري"، وليقول إن الكاتب هو "لبناني". ببساطة يريد القائل وهو رئيس اتحاد الصحافيين السوريين الياس مراد ان يوضح ان صحف النظام السوري التي تنتمي الى هذا النظام بالمطلق هي "منبر حر" يتلقى مساهمات فينشرها وهو غير مسؤول عما ورد فيها بل هي على مسؤولية كتّابها. أنه نبأ سار ان تصبح الصحافة السورية منبراً حراً حتى لو كانت الاقلام لبنانية، وبعد ذلك هل هناك من يعترض على القول بأن الدول من حول لبنان تتغيّر؟ وهذا يعني من دون تجاوز ملاحظة جوهرية ان الصحف اللبنانية باتت بعد خمسة اعوام من زوال نظام الوصاية "أقل حرية" في نشر ما يفكر فيه اللبنانيون فيختارون الصحف السورية "ليعبّروا عن افكارهم"!
الناس يصنعون الثورات مثلما فعل اللبنانيون في 14 آذار 2005، والصحافة تضيء الطريق الى الاستقلال كما فعلت الصحافة اللبنانية الحرة ولا تزال. "نهار" الاحرار في لبنان والعالم لا تتوقف شمسه عن الاشراق يومياً ووظيفة الديك ان يعلن الولادة المتجددة. النهار لن يغيب. والديك لن يبدّل وظيفته. والحرية ستبقى لازمة لبنان الذي ستتغيّر من حوله الدول.