#adsense

عون وسيف التوطين المثلوم

حجم الخط

 عون وسيف التوطين المثلوم

في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، تناول العماد ميشال عون توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بإسهاب، مقدماً قراءته للمسألة التي اتفق اللبنانيون على رفضها وادرجوا موقفهم منها في مقدمة دستورهم (الفقرة «ط»).
وفي المقابلة عينها، رفض العماد منح الفلسطينيين المقيمين في لبنان الحقوق المدنية والاجتماعية والتي تشتمل على الحق في العمل، لأن ذلك يمهد لا محالة، في زعمه، للتوطين. فلا يحق للفلسطينيين ممارسة أي مهنة كانت لأن ذلك سيجعلهم يطالبون في مستقبل قد لا يكون بعيداً بالحصول على الجنسية اللبنانية. عليهم، إذاً، البقاء محاصرين ومحصورين في مخيماتهم تتآكلهم البطالة وخلايا التنظيمات الغامضة الاهداف والبواعث، وتنتشر بين ظهرانيهم آفات وأمراض الغيتوات المكدسة بالخيبات والمآسي الفردية والجماعية.

وإذا دمرت مغامرة مجنونة مخيماً من تلك المخيمات المحزنة، ينتصب ميزان «التيار» الذي يتزعمه عون مطالبًا بالامتناع عن إعادة إعمار هذا المخيم، لأن ارطوزيا، القرية الفينيقية –الارامية، تقبع تحته ويجب الا يوضع حجر على آخر في مخيم نهر البارد قبل اجراء الحفريات الملائمة بإشراف خبراء وعلماء آثار. وأقل ما يقال في هذا، انه حق يراد به باطل. في الوقت عينه، يتشدد عون وصحبه في محاربة تملك الفلسطينيين للعقارات والأراضي في لبنان لأن في التملك تأكيداً على النيات التوطينية.

في عقد التسعينات، استغل القائمون على السلطة في لبنان قضية التوطين لإبقاء الخوف مهيمناً على المسيحيين. الاختلال السكاني في عدد اللبنانيين لمصلحة المسلمين ليس سراً. عليه، فالإسراف في الحديث عن التوطين ليس سوى إمعان في ترهيب المسيحيين من المسلمين لضمان ولائهم لزعيمهم الأكبر. الواقع يقول أمراً آخر، خلاصته أن ما من أحد يريد توطين الفلسطينيين في لبنان وخصوصًا من الفلسطينيين الذين ذاقوا الأمرين من الكأس اللبنانية بعد أن أرغموا اللبنانيين على تجرع مرارة قضيتهم. كما ان هؤلاء لا يبدون، بعد أعوام من الضغوط السياسية والاقتصادية التي تولت اكثر من جهة ممارستها عليهم، سوى ظلٍ لما كانت عليه أعدادهم في السبعينات او الثمانينات من القرن الماضي. بيد ان المسألة الوحيدة التي صمدت امام عوامل الزمن هي قدرة أطراف مختلفة على استغلال الخوف من التوطين لدى المسيحيين لإبقاء هؤلاء أسرى ولاءات ومخاوف تفيد أصحاب اكثر الأصوات ارتفاعا في التحذير من التوطين.

لا معنى لنقاش يتناول الوعي المُشَكِّل لقناعات الجنرال عون وأترابه. فالمسألة لا تكمن في المبادئ والأفكار او المصالح بقدر ما تكمن في رؤية تستبيح اللجوء إلى سلاح فل عضده من كثرة الاستخدام، في معركة داخلية، ولو جاء ذلك على حساب كرامة شعب تعب وأتعب الدنيا وهو ينادي بحقه في العودة إلى أرضه المحتلة. لكن لا حياة لمن تنادي، على ما يبدو.

ثمة نقطة تدعو إلى المزيد من الحزن والإحباط هي تلك المتعلقة بالصمت المطبق الذي يلوذ به أصحاب شعار «زحفًا حتى القدس، حربًا حتى النصر» والذين يفتون بحرمة التصرف في «أكناف بيت المقدس». «المتفاهمون» مع عون لا يرون غضاضة في ازدرائه العلني والضمني بمعاناة الشعب الفلسطيني في لبنان والمستمرة منذ عقود عدة، ولا يبالون بما يقول الرجل عن أهالي بيت المقدس الذين يقيمون الاعتصامات لنصرته في وجه المخاطر الإسرائيلية، طالما ان عون يوفر لهم الغطاء الذي يريدون في مجالات السياسة وغيرها من المجالات التي يعرفها العارفون. ويبدو الموقف هذا اسوأ بعد من موقف الجنرال وجالباً لضرر أكبر على الفلسطينيين وحقهم الذي لا تنازل عنه في العودة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل