حكومة الوحدة الوطنية كلام على الورق
عندما وصف رئيس مجلس النواب نبيه برّي اجواء تشكيل الحكومة الجديدة، والاجواء السياسية المحلية والاقليمية بـ«المشمسة» في لفتة تفاؤلية منه للتقارب السعودي – السوري، ولسلوك الرئيس المكلّف سعد الحريري الجديد في مقاربة تذليل عقبات التشكيل، غاب عن باله ربما ان التغيّر المناخي قد اسقط صحّة التوقعات، وبدّل في طبيعة الفصول التي اعتاد الناس عليها، واصبح هطول الامطار في تموز معقولاً، والسباحة في كانون الثاني امراً طبيعياً، ولذلك فان نشرة الاحوال السياسية ليومي السبت والاحد المنصرمين، اشارت الى تلبّد في غيوم التشكيل، والى صعوبة في رؤية واضحة للحلول، وان الانقشاع قد لا يكون قريباً، وليس مستبعداً ان تبرق وترعد في الرابية في الايام المقبلة، اذا لم يتغيّر المناخ في قريطم، ويسيطر جو من الصفاء والقبول بالشروط والمطالب التي يضعها العماد ميشال عون، نيابة عن كل حلفائه في لبنان وخارجه، خصوصا بعد عملية توزيع الادوار وانفتاح الشهيّة على التوزير عند قوى المعارضة مستغلة انفتاح الرئيس المكلّف، وتفضيله حكومة ائتلاف وطني، على حكومة دستورية قائمة على الاكثرية والاقلية، ولكنها حكومة ستسبب وجع الرأس بوجود من يهدد بمواجهتها بالقوة والعنف.
وبمناسبة ذكر حكومة وحدة وطنية او ائتلاف وطني، او حكومة شراكة وطنية، لم يعد واضحاً كيف يوفق تكتل المعارضة، وتحديداً التيار الوطني الحر، بين المفهوم الايجابي لعناوين هذه الحكومات التي يدعو اليها، وبين الحملات الاعلامية المسمومة، ذات المضمون السوقي التي تملأ هواء وسائل اعلام التيار، المرئية والمسموعة، حيث تعرض وتستصرح وتستضيف من لا يقدّم سوى الشتائم والاتهامات والاكاذيب بحق خصوم التيار السياسيين ممّن يجلس معهم على طاولة واحدة في مجلس الوزراء، وقد يتشارك واياهم في حكومة وحدة وطنية مقبلة.
ان التيار الوطني الحر، لم يفهم على ما يبدو، ان تراجع شعبيته عند المسيحيين، لم يكن فقط بسبب تحالفه وانحيازه الى صفّ من همّش المسيحيين وقاتلهم وقتلهم وابعدهم عن الدولة ومؤسساتها، او على الاقل بارك ما يصيبهم وتفرّج على عذاباتهم، بل لان خطابه ضد خصومه المسيحيين قام على نبش الماضي والقبور، وفتح الجروح التي كادت ان تلتئم، وكان له فيها دور كبير اساسي، وسوّق في وسائله لكل نكرة يحمل حقدا وضغينة، ليس ضد مسيحيي 14 آذار وحسب بل ايضاً ضد التيار الوطني الحرّ ذاته، وكان طرفاً في محاولة الغائه وضربه وتهجيره
واذا لم يوضع حدّ سريع لهذه السياسة الخرقاء، فإن الكلام عن وحدة وطنية ومصالحة وعيش واحد، حتى ضمن المناطق ذات الغالبية المسيحية هو نوع من الهراء والدجل ليس إلاّ.
***
في العودة الى عملية تشكيل الحكومة، يبدو ان توزيع الحقائب يصطدم بدوره بالعديد من العقبات والعراقيل التي تفتعلها المعارضة بهدف الحصول على اقصى ما يمكن من تنازلات، ستكون في حال حصلت على حساب مسيحيي 14 اذار، لأن رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط المصرّ على حكومة وحدة وطنية ضامن تمثيل حزبه بثلاثة وزراء دروز، واي تنازل لن يكون على حسابه، وكذلك الامر بالنسبة الى الوزراء السنة، وبالتالي لا يبقى في الميدان سوى حصة مسيحيي 14 آذار، وتحديدا من هم خارج اللقاء الديموقراطي وخارج «تكتل لبنان اولا» وفي تسريبات هي اقرب الى معلومات ان الصيغ التي تطرحها المعارضة لملء الحقائب، يتعمّد طارحوها إضعاف حصة القوات اللبنانية والكتائب والشخصيات المستقلة، كمّاً ونوعاً، بقصد اصابة عصفورين بحجر واحد، تهميش دورهم في الدولة، وخلق شرخ بينهم وبين الرئيس المكلّف، من هنا نلاحظ مسارعة تكتل التغيير والاصلاح، الى تقسيم ذاته الى كتل متعددة، وكل كتلة تطالب بحقائب وزارية بمعزل عن الكتل الاخرى، وعلى ان تكون حقائبهم خدماتية.
هذه النفسية الاستئثارية القائمة على الرغبة في الغاء الآخر، مهما كان حجم هذا الآخر كبيرا ومؤثرا، تدل على ان شعارات الوحدة الوطنية والشراكة والتعاون ليست سوى ضجة الطبل الفارغ، لأن بناء الثقة التي افتقدها الرئيس المكلف اثناء مشاوراته، يتحقق اولاً باحترام مضمون هذه الشعارات عملياً وممارسة، لأن اول شرط لتحقيق الوحدة الوطنية هو الاعتراف بالدولة وبالشريك الاخر، وبمنع الطفيليات السياسية من «التعمشق» على جذور هذه الوحدة وجذور قيام الدولة.