… وفجأة اكتشف اللبنانيون معادلة (إ – أ)!!
تلاشي موجة التفاؤل التي سادت أجواء التأليف الحكومي أواسط الأسبوع الماضي، أكّد من جديد وجود <قطبة> خارجية، لم تعد مخفية لحسن الحظ يمكن أن تعطّل عملية ولادة الحكومة العتيدة، بل وتهدد سلامة النظام السياسي برمته!
ولم تنفع مشاورات المصارحة والانفتاح التي اجراها الرئيس المُكلّف مع قادة الكتل البرلمانية، في الأكثرية والمعارضة على السواء، في الحد من تأثير التدخلات والضغوطات الخارجية التي حوّلت السياسيين اللبنانيين إلى نماذج من الماريونات تتلاعب بتصريحاتهم ومواقفهم الأصابع التي تدير حركة الصراع الإقليمي – الدولي في المنطقة!
وفيما أمضى اللبنانيون سواد السنوات العجاف التي أعقبت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في انتظار عودة الحياة إلى معادلة (س – س)، واستعادة تجربة التعاون بين الرياض ودمشق، بعدما استفحلت الخلافات بين العاصمتين الركيزتين للنظام العربي، على أمل أن ينعكس التقارب السعودي – السوري المتجدد استرخاءً على الوضع اللبناني المشدود على حبل الانقسامات الداخلية، وتسهيلاً في ولادة الحكومة العتيدة، اكتشف من يعنيهم الامر أن مفتاح الحل في لبنان لم يعد محصوراً بمعادلة (س – س)، بعد دخول معادلة جديدة على الخط (إ – أ) تختصر حالة المواجهة الدائرة بين ايران وأميركا ليس فقط حول الملف النووي، بل وأيضاً على ملفات المنطقة الأخرى الساخنة، وفي مقدمتها العراق وأفغانستان، على اعتبار ان الأولوية الأميركية تتمركز هذه الايام على مناطق تواجد القوات الأميركية وحلفائها، والتي يبدو أن القادة العسكريين غير متفائلين بحسم المعارك في هذين البلدين، أو على الأقل، تأمين خروج يحفظ ماء الوجه للجيش الأميركي، ويراعي ما تبقى من هيبة للسياسة الاميركية في العالم، من دون الجلوس على طاولة المفاوضات، خاصة مع ايران وسوريا… وفي مرحلة لاحقة روسيا ودول الجوار الأخرى.
* * *
وفجأة… اكتشف اللبنانيون أن العُقد التي تحول دون ولادة الحكومة لا تقف عند عتبة وزارة الاتصالات، ولا تنحصر بإشكالية توزير راسبين في الانتخابات، ولا علاقة لها بدومينو الأسماء والحقائب التي كانت تختصر اللعبة السياسية في ذلك الزمن الجميل، قبل مسلسل الحروب الداخلية!
فجأة …تبين اللبنانيون أن أصحاب معادلة (إ – أ) أسفروا عن وجوههم، وجاهروا بتدخلاتهم، محاولين بذلك تعطيل مفعول معادلة (س – س)، بل وأكثر من ذلك الغمز والتشكيك بالتقارب السعودي – السوري، وإطلاق النار على زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى سوريا، والعمل على منع وصول مفاعيلها الإيجابية إلى الوضع اللبناني!
وفجأة… أيقن اللبنانيون، الذين انتظروا طويلاً تحقيق التقارب السعودي – السوري، إن عليهم الانتظار من جديد إلى أن تتم معالجة الملفات الخلافية بين إيران وأميركا بدءاً من أفغانستان والعراق وصولاً إلى الملف النووي!.
فهل يعني ذلك أن لبنان سيبقى شهراً على الأقل من دون حكومة، بانتظار الجولة المقبلة من المفاوضات الإيرانية مع أميركا والاتحاد الأوروبي؟
(الرئيس فؤاد السنيورة اتصل بخافيير سولانا هاتفياً للوقوف على نتائج الجولة الأولى من المفاوضات واستطلاع انعكاسها على الوضع اللبناني).
هل ستُصرّ واشنطن وسفيرتها في بيروت على تأخير تشكيل الحكومة حتى تأخذ من طهران ودمشق في العراق وأفغانستان قبل أن تعطيهما في لبنان الثلث المُعطّل في الحكومة العتيدة، ولو بأسلوب غير مباشر؟
هل سيمضي التفاهم بين الرياض ودمشق قدماً في تعزيز العلاقات الثنائية والتصدي لسياسة التعنت الإسرائيلي، بمعزل عن أهمية إنقاذ الشقيق الأصغر من أزمته السياسية الخانقة؟
* * *
لا أحد في لبنان يتوقع أن تدير المملكة العربية السعودية ظهرها للوطن الصغير، وتمضي في تعزيز العلاقات الأخوية مع سوريا من دون الالتفات إلى أهمية تنقية الأجواء العربية، واستعادة سياسة التضامن العربي، والتي تبقى ركيزتها الأساسية ملفات المنطقة المضطربة، لا سيما الملف اللبناني الذي يحظى باهتمام كبير ومعروف لدى القيادتين السعودية والسورية، رغم ما قد تواجهان من تحفظات ايرانية هنا وأميركية هناك.
وإلى جانب الآمال الكبار التي يعلّقها اللبنانيون على زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى سوريا، فثمة مسؤولية وطنية وتاريخية ملقاة على عاتق القيادات السياسية المحلية للعمل على إخراج البلاد والعباد من عنق الأزمة التي أوصلوا البلد إليها، بسبب الانقسامات الانتحارية والصراعات الفئوية المستعرّة في دوامة لا تنتهي من الحسابات الأنانية والمصالح الشخصية.
الإملاءات الخارجية ليست قدراً…
والصراعات الإقليمية – الدولية ليست مساراً…
والاستسلام لمهالك لعبة الأمم ليس خياراً.
فهل يخرج رجال السياسة الميامين من أسر الضغوطات والتدخلات الخارجية… حتى لا يبقى الوطن المعذّب ورقة تتلاعب بمصيرها رياح المواجهات المحتدمة حولنا؟