
جعجع في قمة النضوج السياسي، متجانس مع الارشاد الرسولي وبعيد كل البعد عن تهم الانعزال
كتب مسعود محمد: بدا سمير جعجع في يوم شهداء القوات اللبنانية في قمة نضوجه السياسي فكأن تجربة سنين النضال الطويلة التي بدأها العام 1969 بالانتساب الى حزب الكتائب قد صقلت حكمته، بدا الخوف في عينيه على هذا الوطن بكل ما يحمل من معاني المواطنية والسيادة والقرار المستقل و احترام حقوق الانسان، بدا خائفا من تحول أبنائه الى قبائل وبطون وأفخاذ متناحرة. وأكد من خلال تجربته أن لا أحد يستطيع الغاء أحد و ذلك عندما قال "لا ضمانة لأحد في لبنان من دون الجميع، نحن ضمانة بعضنا البعض، اذا لم يكن الجميع بخير في لبنان، لن يكون أحد منا بخير".
بدا الحكيم (كما ينادى الدكتور جعجع من قبل رفاقه) متجانسا مع الارشاد الرسولي للبابا يوحنا بولس الثاني حول مستقبل لبنان ومستقبل المسيحيين فيه، حيث أكد في الفصل الخامس أن صلب العلاقة مع العالم العربي هو الحوار الاسلامي – المسيحي في لبنان والعالم العربي، ويؤكد ذلك ما ورد في ميثاق جامعة الدول العربية وبروتوكول الاسكندرية الذي مهد لذلك الميثاق، على احترام الدول العربية لبعضها البعض واستقلال لبنان وسيادته في حدوده الحاضرة.
كما بدا الدكتور جعجع متجانسا مع الارشاد الرسولي من حيث تحليل أسباب الأزمة اللبنانية حيث أشار البابا في العدد السابع عشر من الارشاد الى التدخلات الخارجية في لبنان لتعطيل الحوار اللبناني – اللبناني وحول ذلك قال: "ان مسيحيي لبنان، مثل سائر مواطنيهم، يتوقون الى اعتراف حقيقي بالحريات الجوهرية ….. وهم يعرفون أن مثل هذا المشروع مرهون بسني الحرب الماضية وبالحالة الخطيرة التي تسود الشرق الأوسط". وعدد البابا بعد ذلك الأسباب التي تهدد قيم الحضارة و الديمقراطية التي يمثلها لبنان وهي:
-الاحتلال المهدد للجنوب
-وجود قوات مسلحة غير لبنانية على أرض لبنان.
-حالة البلد الاقتصادية.
-استمرار مشكلة المهجرين.
-خطر التطرف والشعور بالغبن.
بدا الدكتور جعجع بدعوته الى الوحدة وحماية بعضنا البعض وكأنه يرفع الصوت عاليا ليقول: "ان حروب الآخرين على أرضنا أدخلتنا في صراعات مريرة فيما بيننا ومع القوى الخارجية، التي كانت تعمل لغير مصلحة لبنان واستقلاله".
كانت عينه على ميزة لبنان في محيطه عندما قال: "تطالعوننا كل يوم، بطروحات عن الديمقراطية التوافقية، وتجهدون لفرضها زورا، وقسرا، وزرعا، في أطر و مواقع لا علاقة لها بها ومن ثم تتنكرون لها في مكانها الصحيح و لا تعترفون بمفاعيلها" وكأنه يلفت النظر الى قصة لبنان مع العالمين العربي والشرق الأوسطي المحيط به، فهو يحاول أن يكون حرا ديمقراطيا تعدديا في محيط تتحكم به العصبيات الدينية (طرح الدولة اليهودية)، وديكتاتوريات القائد الخالد و الحزب الواحد، عيب لبنان أنه المتنفس الوحيد لهذه النطقة فلقد رضي به أبناؤه وصاغوا دستوره كوطن ديمقراطي، تعددي، حضاري، حر "رسالة عيش مشترك وحوار دائم بين الثقافات والأديان" كما يقول الارشاد الرسولي.
بدا الحكيم في قمة نضوجه السياسي والوطني وبعيداً كل البعد عن الفؤية والتبعية ويتصرف كشريك له كامل الحقوق بالوطن عندما خاطب المعارضة قائلا: "لأننا شركاء في وطن واحد، محكومون في نهاية المطاف بمصير واحد، اذا وصلتم الى نقطة لم تعودوا فيها مقتنعين بديمقراطية اتفاق الطائف فقولوا ذلك …".
وبدا بذلك كما قال الأستاذ أياد أبو شقرا بعيدا كل البعد عن خطاب المزايدة الطائفية التي "تستعيد" جزين المسيحية وتدعو المسيحيين الى التوحد تحت قيادة واحدة مقاتلة، رؤيوية ومعصومة عن الخطأ تمثلا بالقيادات الالهية و الخالدة، وذلك لعلم الدكتور سمير جعجع وتيقنه أن ذلك الخطاب قد يكسب المسيحيين اليوم بالنقاط ولكنه سيؤدي الى خسارتهم بعد حين بالضربة القاضية بخاصة في ظل الأصوات التي تنادي بأكثريات عددية بنقيض الميثاق الوطني، القائم على حفظ التعددية في لبنان الرسالة حتى لا تأتي ورقة تفاهم لم ينفذ من بنودها شيء وتدخل المسيحيين في دائرة الفكر الشمولي وعبادة الشخص والتعامل مع المسيحيين كمواطني درجة ثانية وأهل ذمة وسلبهم مجد لبنان الذي أعطي لبطريركيتهم ومن هنا كانت الصرخة المدوية للحكيم بعدم التسلط على حقوق الطوائف الأخرى ، تحت شعار الحفاظ على حقوق الطائفة الشيعية. بدا الحكيم حكيما وديمقراطيا وحرا ورجل دولة عندما قال: "ان الوحدة الوطنية الحقيقية تتمثل بصون الدستور و المؤسسات وباحترام ارادة اللبنانيين أفرادا ومجموعات، التي تترجم كل أربع سنوات في صناديق الاقتراع". وأكد الدكتور جعجع على فرادة الطابع اللبناني والحفاظ عليه من خلال ضرورة الانخراط في الحياة البرلمانية اللبنانية و الاصرار على المشاركة في الحكومة و احترام أصول اللعبة الديمقراطية والالتزام بالدستور ونصوصه وأحكامه بما في ذلك نتائج الانتخابات التشريعية، ونبه الحكيم الى أن الاحتكام المسبق الى التوافق العشائري الطائفي والابتزازي الذي يتخطى التوافق اللبناني الطبيعي كما هو معبّر عنه بالدستور وتركيبة المؤسسات الشرعية في لبنان، يغير من طبيعة نظامنا الديمقراطي ويماثل فيما بين لبنان الرسالة ومحيطه المتعصب دينيا، والمحكوم بدكتاتوريات تشابه جمهوريات الموز.
بدا الحكيم في خطابه بعيدا جدا عن تهمة الانعزال التي أطلقها اليسار سابقا بحق فريقه السياسي وبدا منفتحا على الجميع ومقبلا على الوطن في الوقت الذي ينغلق وينهزم فيه قامات كبيرة كقامة وليد جنبلاط باتجاه طوائفها، علينا الاعتراف بلحظة تجلي أن المسيحيين منذ رحيل السلطنة العثمانية، أرسوا فكرة الدولة ودافعوا عنها وقدموا لها كل المسوغات الفكرية والتاريخية والعقائدية لاستمرارها وتطورها وتعرضوا بسبب ذلك منذ السبعينيات الى حملات سياسية واعلامية اتهمتهم بالفاشية والانعزال والتقسيم بينما كانوا هم يدافعون عن الدولة ومؤسساتها وجيشها ودافعوا عن أرضهم وبيوتهم وقراهم وحقهم بالعيش بحرية وكرامة ومنعوا التوطين، ووقفوا سدا في وجه الغاء هوية وحضور وكيان لبنان ومن هنا أعطي مجد لبنان لبطريريكهم ولم يفقه المسلمين ذلك الا متأخرا فانتفضوا لمجد لبنان ورفض الرئيس الحريري التجديد لاميل لحود ووحد الجهود الاسلامية والمسيحية ليضعها باطار وطني جامع فكان الرد القاسي باغتياله لمنع الوحدة الوطنية وتكريس الطابع الطائفي، القبلي ليكون لبنان نسخة مشوهة لمحيطه.