بعدما تعذّر التفاهم على عملية التأليف قبل التكليف
هل يصير اتفاق على سياسة كل وزارة قبل التسميات؟
إذا لم يكن قد تم التوصل الى اتفاق على التأليف قبل التكليف، فهل يتم التوصل الى اتفاق على مضمون البيان الوزاري قبل التأليف فيسهل عندئذ اختيار الوزير المناسب للوزارة المناسبة؟
يبدو ان هذا ما يحاول الرئيس المكلف سعد الحريري عمله من خلال بناء الثقة بين كل الاطراف، وتبديد الشكوك وسوء ظن المتبادلين بحيث يسهل عندئذ رسم سياسة واضحة لكل وزارة سيادية او خدماتية وما على الوزير التي تسند اليه الوزارة سوى التزام تنفيذ هذه السياسة وهو ما يهم الناس اكثر مما يهمهم ان يكون هذا الوزير على رأس هذه الوزارة او تلك. بل كيف يديرها لمصلحة الوطن والمواطن، وليس لمصلحته.
وعندما تلتزم القوى السياسية الاساسية المشاركة في الحكومة تنفيذ ما يصير الاتفاق عليه في البيان الوزاري، فلا يعود يهم من يكون ممثلا لها فيها، الا اذا حصل خلاف جديد على تقويم الكفايات والجدارة عند كل مرشح.
لذلك تجري محاولة للاتفاق على رسم سياسة لكل وزارة ثم يتم اختيار الوزير الكفؤ لها. ففي السياسة الخارجية يصير الاتفاق مثلا على تعزيز العلاقات مع الاشقاء العرب وتمتين الاواصر التي تشد لبنان اليها، وتفعيل العمل العربي المشترك في اطار جامعة الدول العربية، والدفاع عن القضايا القومية وفي مقدمها قضية فلسطين، والتزام المبادرة العربية للسلام التي اقرتها قمة بيروت العربية عام 2002 والتصدي لاي اعتداء اسرائيلي على لبنان والتشديد على التضامن العربي بعيدا عن سياسة المحاور، كي يبقى لبنان مستقرا وواحة سلام ووئام وليس ساحة حروب ونزاعات وتصفية حسابات، مع ارساء افضل العلاقات مع الشقيقة سوريا وتنقيتها من الشوائب انطلاقا مما تكرس في اتفاق الطائف وتصحيح الخلل فيها عن طريق عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا او جعل سوريا مصدر تهديد لأمن لبنان، وضبط الحدود بينهما وضرورة ترسيم الحدود بين البلدين، ومتابعة قضية المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا.
وفي السياسة الامنية والدفاعية، يجب العمل على حماية اللبنانيين من جرائم الاغتيال والارهاب وصيانة السلم الاهلي، وحق الدولة في بسط سيادتها على كل اراضيها وتوفير افضل الامكانات للجيش وقوى الامن الداخلي للقيام بواجباتهما، وحق لبنان في تحرير ما تبقى من ارضه واسترجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، بكل الوسائل المشروعة والمتاحة والتزام تنفيذ القرار 1701 كاملا، ووضع استراتيجية دفاعية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه، وكذلك التزام ما تتطلبه المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وغيرها من عمليات الاغتيال لتبيان الحق واحقاق العدالة وردع المجرمين بعيدا من الانتقام والتسييس، والمطالبة بحق الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم رفضا للتوطين، والعمل على انهاء وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها ومعالجة المشكلات الانسانية والاجتماعية فيها والتزام العمل على تعزيز علاقات لبنان بأبنائه المنتشرين في العالم وحثهم على تسجيل وقوعاتهم في السفارات اللبنانية والدوائر الرسمية حفظا لحقهم في الجنسية اللبنانية وتيسير ممارسة اللبنانيين غير المقيمين حقوقهم الانتخابية حيث هم.
وفي سياسة وزارة العدل العمل على تعزيز السلطة القضائية المستقلة وذلك باحترام مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها، واجراء الاصلاحات اللازمة لاستقامة عمل الجسم القضائي ورفع مستوى فاعليته ومعالجة الوهن فيه وابعاد التدخلات السياسية عنه والبحث في كيفية استعادة اللبنانيين الذين لجأوا الى اسرائيل.
وفي السياسة المالية والاقتصادية والزراعية والصناعية والصحية والاجتماعية، العمل على تأمين الاعتمادات المالية اللازمة لتمكين الصندوق المركزي للمهجرين من انجاز مهمته تمهيدا لإلغائه. وكذلك تأمين الاعتمادات اللازمة لاستكمال دفع التعويضات والتزامات تنفيذ المشاريع التي يتولاها مجلس الجنوب تمهيدا لإلغائه ايضا، ووجوب الاتفاق على تعزيز آليات التنسيق لترجمة تعهدات الجهات المانحة في مؤتمر باريس 3 خصوصا تلك المتعلقة بدعم المشاريع التي تعثر اطلاقها، مما يؤدي الى تحفيز النمو وتوفير فرص العمل، وتنفيذ البرنامج الاصلاحي الذي قدمه لبنان في هذا المؤتمر، ومحاربة الفساد والرشوة واجراء اصلاح جذري للمؤسسات العامة واعادة النظر في استمرارية البعض منها ودورها، وبلورة تصور شامل حول اللامركزية الادارية الموسعة وتنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف (إلغاء الطائفية وانشاء مجلس الشيوخ، واعتماد نظام النسبية في الانتخابات النيابية المقبلة) والبحث في تعزيز وضع المالية العامة للدولة وخفض نسبة الدين العام والتزام سياسة الاصلاح الاقتصادي والعمل على تنفيذها على شكل برامج، مع الاخذ في الاعتبار ما استجد من متغيرات اقتصادية ومالية محلية ودولية، والبحث ايضا في تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لفتح مجال الاستثمار في انتاج الكهرباء امام القطاع الخاص واشراكه في عمليات توزيع الطاقة واعمال الجباية، وكذلك البحث في عملية تحرير قطاع الاتصالات والسير في عمليات الخصخصة، وافساح المجال امام تعزيز الاستثمارات في مجالات اقتصادية عديدة منتجة ولا سيما في قطاع توليد الكهرباء وتكرير النفط ومنشآت الغاز وفي قطاع النقل وتشجيع القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية.
وأهم ما في سياسة اي حكومة، المالية العامة والدين العام والخدمات الصحية حتى اذا ما صار اتفاق عليها فلا تبقى هذه السياسة متوقفة على شخص الوزير بل على كفاية الشخص وخبرته.
وهذه السياسة في رأي المتابعين تتطلب التفاهم على اسسها قبل تعيين الوزير الذي سيتولى تنفيذها، ومنها:
1 – اقرار الموازنات العامة للسنوات الاخيرة في الاطار الاصلاحي العام ومن خلال العمل على تصحيح الخلل في المالية العامة والاستمرار في خفض مستويات العجز وتحسين الفائض الاولي وتسريع المسار التراجعي للدين العام وصولا الى معدلات قابلة للاحتمال.
2 – كيفية ترشيد الانفاق العام وتقليصه من خلال مشاريع قوانين ولا سيما تلك الموجودة في مجلس النواب.
3 – متابعة تحديث النظام الضريبي واستكمال تطوير الادارة الضريبية مما يؤدي الى تحسين مستويات الجباية بإقرار مشاريع قوانين لهذه الغاية.
4 – تحديث ادارة الدين العام عبر تطبيق سياسات ادارة مخاطره بشكل افضل يخفض من عبء كلفته على الاقتصاد.
5 – تطبيق خطة العمل الاجتماعية المكملة لبرنامج الاصلاح الاقتصادي والمالي الذي تبناه مؤتمر باريس 3.
6 – تطوير برامج الحماية الاجتماعية والعمل على اقرار قانون لضمان الشيخوخة وخفض التفاوت المناطقي في مؤشرات التنمية باعتماد توزع افضل للانفاق العام في شتى المجالات.
7 – تأمين تغطية صحية واستشفائية واقعية وعملية لجميع المواطنين غير المضمونين.
هذه النقاط وغيرها كانت قد وردت في بيانات سابقة وتعذر تنفيذ الكثير منها، ويمكن العودة اليها كسياسة عامة للحكومة العتيدة في كل وزارة من الوزارات للحؤول دون ان يكون لكل وزير سياسته الخاصة لوزارته والتي قد تكون نقيض السياسة العامة ولا تكون مكملة لها. فالحكم هو استمرار خصوصا اذا ما اعتمدت سياسة المداورة في الوزارات. فعندما ترسم للحكومة سياسة عامة واحدة يصير اتفاق عليها وتوضع تفاصيلها في البيان الوزاري، فلا يعود عندئذ خوف من ان يفتح كل وزير سياسة على حسابه. فهل من السهل التوصل الى رؤية مشتركة لسياسة الحكومة العامة في كل وزارة فيختار الوزير الاكفأ والاصلح لتنفيذها عوض الخلاف على اختيار وزير لان له سياسته في هذه الوزارة او تلك أم ان الخلاف على اختيار الوزراء لأسباب شتى يبقى هو العقدة ولو صار اتفاق على مضمون البيان الوزاري؟