مصاعب المهنة ومصائب الصحافيين
ليس في صرف زملاء من العمل في جريدة "النهار" ما يعيب "النهار" أو الزملاء. فـ"النهار" شركة مساهمة لبنانية تتصرف في ضوء القانون، والزملاء أجراء، في المعنى القانوني، ومن يرعى العلاقة بينهم وبينها هو القانون أيضاً، كما يفترض أن تكون الحال في كل المؤسسات الإعلامية.
وقرار "النهار" لا يعيب "النهار"، ولا يسيء مهنياً الى من أصابهم. فليس الإتفاق على التعاون دليل تقدير مطلق لأهلية مهنية، كما أن إنهاء الإتفاق لا يعني إنتقاصاً من الكفاية الصحافية. والضجيج الذي افتُعل غطى عملياً على انكفاء ابناء المهنة عن الدفاع عن مصالحهم، التي بدا، في هذا الخضم، أنها تنحصر في ضرورة استمرارهم في العمل، وتجاهل حقهم في التقاعد، لكأن الصحافة مهنة يجب ألا يتوقف ممارسها عنها إلا عندما يُلحد في قبر.
ما يلفت في النقاش الذي أثير أن القوانين التي ترعى علاقة المؤسسة الصحافية بالصحافيين هي نفسها التي تطبق في أي علاقة عمل في مصنع للأحذية أو معمل معلبات، أو سوبر ماركت. وكل طليعية لبنان، لا سيما في مجال الفكر والثقافة والعلم، التي يتغنى بها الصحافيون في صحفهم والإذاعات والتلفزة، لم تلفتهم مرة الى عبثية حياتهم المهنية، ومساواة كفايتهم الفكرية والذهنية بأي جهد عضلي، أو غير عضلي يبذله بواب مبنى، أو عامل صيانة (من دون إنتقاص من كرامة أحد).
ليست مشكلة الصحافيين مع مؤسساتهم، بل هي معهم ومع أنفسهم. هم أشبه بمغامرين لا يجرؤون، ولم يجرؤ أسلافهم، على تقدير نهايات مشوارهم المهني، خصوصاً أن اللاإستقرار يسمُ حياة كل منهم منذ لحظة نشر مقالته الأولى، أو حمله بطاقة من مؤسسته.
في كل مرة واجهت المهنة مشكلة، كانت التعازي تنصب على ضرورة "الحفاظ على الصحافة اللبنانية وجهاً من أهم وجوه الحضارة في لبنان" حسب بيان نقابة الصحافة المنشور اليوم. لكن ولا مرة كان الأمر يتناول حال "مروجي" هذه الحضارة المسمّين صحافيين.
تعاني الصحافة اللبنانية أزمة مالية. وهو أمر طبيعي ليس ناجماً فقط عن منافسة التلفزيون لها، أو المواقع الإلكترونية، ولكن أيضاً من تقلص السوق الإعلانية الناجم عن انكماش الإستهلاك من جهة، وتالياً امتناع الشركات المنتجة عن الإعلان، وانتقال الممثليات التجارية والوكالات الإقليمية إلى دول الخليج التي صار لها صحافتها وإعلامها إلى جانب القدرات الإستهلاكية لجمهورها، من جهة أخرى.
ذلك لا ينطبق على الأردن حيث تستفيد الصحافة من أمرين: توفير الدولة للورق، من جهة، والإستقرار السياسي، وهو الأهم من جهة أخرى.
اما الصحافيون فيعانون أكثر من أمر، الأول أن كليات الإعلام، على اختلافها، حوّلت الصحافة من مهنة إلى وظيفة، إذ صارت الشهادة، كرخصة سوق السيارة، إذْن انضمام إلى "قبيلة" الصحافيين، فيما أدت المرحلة الميليشيوية – الإستخبارية التي عاشها لبنان أكثر من 25 سنة إلى نشوء ما يشبهها في وسط المهنة.
الأمر الثاني، أن نقابة المحررين، خاضت باستمرار في مشاكل الصحافيين الشخصية، لكنها لم تخض فعلياً معركتهم المهنية، وإن تذكرت، في هذه الأيام، قصة العقد الجماعي، الذي لم أسمع به سابقاً، إلا لماماً، برغم مرور عقود على انتمائي إليها. لقد أغرقت النقابة المنتسبين إليها في "مبادرات" النقيب، وأنستهم أنهم في حاجة إلى إنجازات مهنية، مؤكدة أن النقابة هي النقيب الذي يبادر عندما تقع مصيبة شخصية، قد تكون الحاجة إلى استشفاء أو علاج، وليس مجلس نقابة يرى إلى الأبعد، وهو تعزيز المهنة وأحوال أبنائها.
الأمر الثالث، أن النقابة أشبه بجمعية سرية، أو أهل مذهب سرّي، لا يعرف كُنهه إلا كَهنته: لا النظام الداخلي (الحقيقي) قيد التداول، ولا المحاسبة الحقيقية قيد التطبيق. مملكة مستقرة، لا أحد يعرف على أي أسس، الكل راضٍ ولا يعرف، حتى هو، سبب رضاه.
الأمر الرابع، أن النقابة مصرّة على رفض إنضواء من يعملون فعلياً في المهنة، ويجري منح عضويتها بالقطارة، لمن صلّت له أمه في ليلة القدر. والداخل إليها لا يعرف ماذا ربح، والباقي خارجها لا يعرف ماذا فاته. مع ذلك الأول محسود والثاني مظلوم.
الأمر الأهم، أن النقابة حققت مكاسب للعاملين كما تقول، لكنها مكاسب لا ترى ولا تُلمس ولا تُترجم. تفعل أشياء كثيرة للصحافيين في المفرق، لا تكلف كثيراً، أما ما هو مطلوب لمجموعهم، أي تنظيم المهنة، فربما متروك للأجيال المقبلة.
المشكلة ليست في صرف زميل أو آخر، فمن يعتنق هذه المهنة يختار اللاإستقرار سوى في رياحها.
المشكلة أن ابناء هذه المهنة لا يعون أزمتها إلا متأخرين. نقابة لا تملك مقرها، فهل تملك مصير أبنائها؟ ونقابة لا تعترف بالعاملين في وسائل الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني صحافيين، هل تستطيع أن تفرض ضمانات قانونية لأبنائها مختلفة عن ضمانات المهن اليدوية؟
في دول العالم الراقي، الذي ندّعي الإنتساب إليه، تميز القوانين في الضمانات الإجتماعية بين صحافيي كلّ من الإعلام المكتوب، والمرئي، والمسموع، والإلكتروني، كذلك بين اليومي والأسبوعي والدوريات، من عدد أيام الإجازات، إلى حقوق التعويض.
مع ذلك نفخر بأننا صحافيون.