أصداء إيجابية للمحادثات الأميركية – السورية الأخيرة:
دمشق مستعدة للتعاون في كل الملفات الإقليمية
كشفت مصادر مطلعة على المحادثات التي اجراها وزير الخارجية السوري وليد المعلم مع بعض المسؤولين في الخارجية الاميركية ابان وجوده في نيويورك مشاركا في اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة قبل أسبوعين، وكذلك على المحادثات التي اجراها نائبه فيصل المقداد في واشنطن الاسبوع الماضي، إبداء المسؤولين السوريين استعدادا كبيرا لدى سوريا للتعاون في الملفات التي تهم الولايات المتحدة والتي كانت موضوع خلاف او توتر بين الجانبين خلال الاعوام الأخيرة. وتنقل هذه المصادر تقويما ايجابيا للتقدم الذي شهده الحوار على قاعدة امرين اساسيين: اولهما تعبير الديبلوماسيين السوريين عن وجود رغبة جدية لدى القيادة السورية في احراز تقدم في العلاقات الثنائية وابداء ديبلوماسييها مرونة وانفتاحاً، وثانيهما ان هذا الاستعداد يشمل كل المواضيع التي تضطلع بها سوريا في المنطقة، أكان ما يتعلق بالعراق أم بالتسوية السلمية في المنطقة والموضوع الفلسطيني، الى سائر المواضيع الاخرى بحيث كان التجاوب السوري كليا وتاما، وفق ما تفيد هذه المصادر.
الا ان تفاصيل ترجمة هذه الاستعدادات تبقى قيد المتابعة في المرحلة المقبلة، باعتبار ان مؤشرات متناقضة برزت الى الواجهة اخيرا او قد تبرز لاحقا. وتتناقض هذه الاجواء الايجابية الى حد كبير، بحسب هذه المصادر، مع الحملة التي يشنها الاعلام السوري على السفارة الاميركية في لبنان منذ بعض الوقت، بذريعة تعطيل تأليف الحكومة اللبنانية، وهي حملة انسحبت بدورها على بعض حلفاء دمشق في لبنان بحيث تثار اسئلة عما اذا كان ثمة لغة مزدوجة يتم التعبير عنها، كما كان ذلك دوما بالنسبة الى السوريين، او ان وراء الاكمة ما وراءها، خصوصا ان المطالب الاميركية من سوريا في شأن لبنان لا تزال على حالها ولم تتبدل، وتتعلّق بعناوين معروفة. لكن يعتقد ان الحملة الاعلامية والسياسية الراهنة تتعلق بالاستهلاك المحلي ليس الا، وفي اتجاه ممارسة ضغوط في التفاوض حول الوزراء المسيحيين وتحصين موقع العماد ميشال عون في مواجهة "القوات اللبنانية" عبر رمي "القوات" ورئيس هيئتها التنفيذية سمير جعجع في خانة الاميركيين اكثر من اي هدف آخر لهذه الحملة، خصوصا متى اخذ في الاعتبار ان المفاوضات حول الحكومة لم تعد تتناول الصيغة الحكومية ولا حصة الطرف الشيعي، ومن ضمنه "حزب الله"، وقد تم حسمها من حيث المبدأ وان البحث يتناول حصة الاطراف المسيحيين فقط في هذه الحكومة التي يمكن ان تعدل بعض الاسماء او الحقائب للاطراف الاخرين ليس اكثر.
لكن موضوع تأليف الحكومة في لبنان لم يتم التطرق اليه في عناوين هذه الحكومة ولا في تفاصيلها ايضا في المحادثات الاميركية السورية، وفق ما تفيد هذه المصادر. اذ ان الولايات المتحدة، بحسب المصادر نفسها، تواكب مسار التأليف الحكومي لكنها لا تشعر نفسها مضطرة الى التفاوض مع سوريا في هذا الموضوع، ولا ترغب في افساح المجال امام مناقشة وضع داخلي لبناني بين الجانبين، بحيث تشعر سوريا بأن الولايات المتحدة تتحدث معها في الموضوع اللبناني من منطلق المرجعية التي كانت لها في السابق، من دون ان يعني ذلك تجاهل واشنطن النفوذ السوري في لبنان او ابعاده وحجمه. لا بل ان التحفظ الاميركي الاساسي عن الاندفاعة السعودية في اتجاه سوريا في مطلع الصيف، انما ارتكز على عدم اتاحة المجال امام سوريا للحصول على بعض ما كانت تتمتع به في السابق حين كانت وصية على القرار اللبناني من جهة، وترك الامور للبنانيين وحدهم لمعالجة شؤونهم وتأليف الحكومة الاولى لهم بعد الانتخابات النيابية من جهة اخرى. وكان مهما ولا يزال عدم افساح المجال امام انطباعات عن مكاسب كبيرة يمكن تحصيلها من خلال السعي الى قلب الموازين في السياسة الداخلية عبر بعض الخطوات او المؤشرات التي لم تكن في محلها من حيث التوقيت ولا من حيث السياق العام. لكن مسألة الحكومة في صيغتها التي تضم جميع الافرقاء، امر لا مناقشة فيه او حوله، وفق ما تفيد هذه المصادر، باعتبار ان الولايات المتحدة تعي جيدا التوازن القائم في لبنان وتدرك عدم امكان تجاوزه او القفز فوقه، بغض النظر عن ارتياحها الى بعض الافرقاء او لا. فهذا التوازن كان موضوعيا حتى قبل 7 أيار، واضحى يكتسب طابعا قسرياً، الى موضوعيته، بعد هذا التاريخ، اذ بات التوازن في خط جديد، والجميع يدركون الأخطار في تخطي امور معينة، فضلا عن وعي الاميركيين المعنيين بالملف اللبناني جملة اخطاء ارتكبت من جانب مراجع معنية وافرقاء من كل الاتجاهات بمن فيهم فريق 14 آذار. لذلك لم تُعر أي اهتمام للمواقف الاسرائيلية التي كررت مرارا نيتها التضييق على الحكومة اللبنانية في المرحلة المقبلة في حال مشاركة "حزب الله" في الحكومة حتى انها لم تلق تعليقا او صدى في الولايات المتحدة ايضا. بل ان هذه الاخيرة تعتمد منذ مدة اداء مختلفا كليا عن المرحلة التي اتسم فيها اداؤها في المرحلة الماضية ابان حصول الاغتيالات والاعتصام في وسط بيروت على رغم المؤشرات او الرسائل القوية التي ترسلها بين وقت وآخر لتذكر باهمية لبنان واستمراره من ضمن اهتماماتها، كما حصل في زيارة المبعوث الاميركي للمنطقة جورج ميتشل الذي زار لبنان من ضمن جولته في المنطقة من دون ان يزور سوريا. ومعلوم ان البعض لا ينظر الى هذا الامر بايجابية كلية من حيث استمرار استخدام لبنان ساحة لتوجيه الرسائل اكثر منه غاية في ذاته، وهو امر يشكل دلالة بالنسبة الى كثر على تراجع الاهتمام الاميركي بلبنان في ظل انفتاح على محاور كان مقفلا عليها قبل اشهر، مع ما يمكن ان يقود اليه ذلك في المستقبل.