الزيــــارة والتاريــــخ
كان الرئيس شارل حلو يردّ أحيانا على القائلين ان قوة لبنان في ضعفه، بتأكيده ان هذا البلد الصغير ضرورة عربية، تشكّل في جوهرها جسرا بين العرب والغرب.
اما قوته فتكمن في صيغته، وتعدّديته، ونظامه. ولو لم يكن موجوداً لكان من واجب الدول العربية ومصلحتها ايجاده. فهي اشد حاجة اليه في مسار التطوّر من اللبنانيّين أنفسهم.
لكن ما كان يتردد في الازمات العاصفة التي عاشها عهده وعلى مستوى التجاذبات العربية – الفلسطينية، واللبنانية – اللبنانية – الفلسطينية، في الاضافة ان ضعفه الفعلي يكمن في أطماع بعض الزعماء والفئات وجموح شهوتهم الى السلطة والنفوذ.
هذه هي الخاصرة الرخوة في هذه "الظاهرة" الفريدة في المنطقة، والتي تدعى لبنان، ومن هذه الخاصرة قد تتسلل أوبئة كثيرة وفتّاكة.
وبعض هذا الكلام الذي يتسم بالرؤية الواعية والنظرة الثاقبة سمعناه منه، وفي لقاءات اقرب الى المصادفة، خلال تلك الازمة الوزارية التي ذهبت مثلا، والتي اضطرت الرئيس حلو والرئيس المستقيل المكلف رشيد كرامي الى ممارسة نوع من التواطؤ الضمني، وغير "المنسق" طوال سبعة اشهر.
وحرصا منهما على تجنيب لبنان الدخول في متاهة غابة السلاح والفوضى غير الخلاقة.
الى ان كان اتفاق القاهرة الذي رعاه الرئيس جمال عبد الناصر، والذي اتاح للبنانيين التقاط الأنفاس، وكانت الحكومة التي راعت "مبدأ" لا يموت الديب ولا يفنى الغنم… فكاد ان يفنى لبنان.
في ضوء ذلك، هل نقول ما أشبه اليوم بالبارحة؟
الامتحانات القاسية والتجارب المريرة التي تعرَّض لها لبنان على امتداد عمره الاستقلالي، ومنذ صار كبيرا، والى هذه الساعة، تؤكد صوابية رؤية ذلك الرئيس المثقف والحريص على وطن يكاد يفتش عن اهله وذويه كلما طلع الصباح.
وكلما دقّت بابه أزمة صغيرة او كبيرة.
وكلما دهته دهياء، توجب عليه طرح الصوت على اصحاب المروءة والنخوة والشهامة من اشقاء واصدقاء وغيارى.
وها هو اليوم تماما كما كان في الامس القريب والبعيد، يصارع على جبهات لا تحصى. وفي الداخل كما في الخارج. ساعياً بمواكبة متأنية وصبر وثبات من رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلف سعد الحريري الى تأليف حكومة جديدة بعد انتخابات نيابية مرّت عليها اربعة أشهر.
إنما من دون هوادة ومن دون جدوى حتى اللحظة.
وعلى طريقة أسمع كلامك يعجبني أشوف أمورك استعجب.
وكما لم يعد خافيا على احد، وكما لم يعد سرّاً: التمسُّك بتوزير الانسباء، والاصرار على حقائب معينة، فيما الانانية والشخصانية تطلقان العنان لشهواتهما في جميع الاتجاهات.
لكننا نعود الآن الى حاضر التطورات والمستجدات، وعلى أهبة الانتظار لوصول الملك عبد الله بن عبد العزيز الى سوريا حيث يلتقي الرئيس بشار الاسد، وحيث يكون لبنان وحكومته وحالات الزمن عليه في رأس جدول المحادثات. وكل الانظار في هذا الاتجاه، في اتجاه الزيارة التي قد تغيّر كل شيء في لبنان والمنطقة، وحتى التاريخ.
على الاقل، هذا ما يأمله اللبنانيون… وما ستنبئهم به الايام؟