شراكة كونية وشراكة موضعية
* حميد عواد
تثبت التحولات والتطورات المتلاحقة الحاصلة على مدار الكرة الأرضية ترابط مصالح المجتمعات والدول، وخصوصاً طليعييها، وتبرز حاجتها إلى الشراكة في إستنفار الأدمغة وصهر البحوث وتنسيق المساعي لتهيؤ ملائم لجبه التحديات وتذليل العقبات وتقليص الأخطار ومكافحة الأمراض وتثمير المعرفة وتحفيز النشاط وتكثيف الجهود وتسريع وتيرة التطور.
فالأزمات عبرت الحواجز والقارات وعصفت بالعالم كله فلفّه التلوث البيئي والإحتباس الحراري والكوارث الطبيعية والتصحر والمجاعة والعطش وسلالات منيعة من الأوبئة.
كما أستنزفه إستعصاء بعض النزاعات المزمنة والمعقدة على الحلول وتيسر التسلّح وتعثر إجتثاث بعض جيوب الإرهاب وأربكه تشابك الأزمات السياسية والإقتصادية، وأستفاق من غفلة الإسراف في إستهلاك مخزون وقود الطاقة وتنبه إلى نضوب المصادر الطبيعية.
في هذا الإطار تنجلي بوضوح صورة المواطن الكوني الذي غدت رعايته وحماية حقوقه والحفاظ على أمنه وسلامته مسؤولية عالمية النطاق إنسانية الجوهر.
فراحة الفرد لا تريح عائلته ومجتمعه فقط وإنما تنعكس إنفراجاً عميماً على البشرية، وكذلك بؤسه تتسرب مفاعيله كالأعاصير والزلازل إلى كل بقعة وتهزّ كل وجدان.
تستشعر الدول الكبرى، الرائدة في إلتزام القيم الديمقراطية والحفاظ على الحريات وتوفير العدالة وحماية حقوق الإنسان، الحاجة الملحّة إلى بذل المزيد من الجهود بتيقظ وحذر، لتصويب المسار وصقل المعايير وترسيخ الإنصاف وتركيز الأهداف وتوطيد الثقة.
لكن الأنظمة الهجينة "المنزلة" من "الغيب" أو "الهابطة" بـ"مظلات" إنقلابات عسكرية قمعية تحكم قبضتها على شعوبها المقهورة وتحرّم عليها التواصل مع العالم "الخارجي" كي لا "يفسد" أفكارها.
وتعمد هذه الأنظمة "المعصومة" إلى إحباط كل جهد تبذله الدول المتحضرة لمد جسور التواصل مع الشعوب المسحوقة أو "المسحورة" بـ"ألوهية" الحاكم وتضرب بضراوة كل إنتفاضة شعبية أو نخبوية تثور على الظلم وتحضّ على الإصلاح.
وكلما نجحت في التعسّف أو شُبّه لها النجاح عمدت إلى الإحتفال بـ"النصر" والإعتداد ببطشها بالضمائر اليقظة "المتآمرة" وسخرت من قصر يد الدول الحرة في دعم ضحايا تنكيلها وفشل محاولة "إختراقها".
لقد دفعت فورة نشوة "نجاح" هذه الأنظمة "الفريدة" إلى مدّ سلطانها خارج حدودها و"تصدير" عقائدها وأنماط حكمها ومدرّبيها ومخبريها وسلاحها إلى أنصارها وحلفائها في دول الجوار تحت شعار "التحرير من الإحتلال".
من الأمثلة الحية لهذا النمط من الممارسات وضع لبنان الذي شكلت البلايا التي ألمّت به فرصاً سانحة لنظامي سوريا وإيران كي ينشئا تنظيمات مسلحة ترتبط عضوياً بهما وتكرّس كل "إنجاز" و"توسّع" و"مكسب" لخدمتهما.
وغدا النظام اللبناني الديمقراطي الحرّ، التعددي والنموذجي هدفاً للخلخلة والإرباك والكبح من قبل "الخلايا العسكرية الجذعية" الإيرانية-السورية التنشئة كي تبرز نفوذ هذا المحور في لبنان وتبتزّ من الدول العربية والغربية "المكاسب" لصالحه عند كل إستحقاق دستوري، فيما تثابر على قضم الأرض ونهش مؤسسات الدولة اللبنانية.
ليس صدفة إدعاء الصحف السورية الرسمية بفظاظة أن النظام اللبناني "يحتضر" لأن هذه هي أمنية مرجعيتها.
وكذلك هي إستراتيجية النظام الإيراني من خلال "تخصيب خلاياه" وتحفيز نفوذها وتمددها داخل لبنان بلوغاً إلى بسط "سلطانه" على وطن الأرز الذي عصي على محاولات شرسة ومتكررة لتذويبه.
إن التجاذب السياسي الرازح تحت ضغط السلاح الفئوي في لبنان يشكّل ذروة الصراع بين النظام الديمقراطي و النظام الشمولي التعسفي.
لقد كُتب على حرّاس النظام البرلماني الديمقراطي في الوطن إختبار دائم لإثبات تشبثهم بحرية وسيادة واستقلال لبنان وحرصهم على إحترام أحكام دستوره وصيانة مؤسساته.
لقد بذلوا التضحيات الجليلة قهراً وإستشهاداً لدرء الأخطار عن الوطن فيما إلتحق الإنتهازيون بقاطرة حلفاء الأنظمة الهجينة وأرتضوا أن يكونوا مطيّة لضرب نظامه.
الواجب الوطني يحتّم على التيارات السياديّة حشد الطاقات وشد أواصر التعاون والوقوف جبهة منيعة في وجه تيار التبعية لإثبات حق اللبنانين بالعيش الحرّ الكريم بعيداً عن أطياف الهيمنة.
لقد إنتدبتهم غالبيّة اللبنانيين لإظهار تصميمهم الصارم على منع إسقاط النظام في لبنان والتمسك بالولاء الوطني وتقديم مصالحه العليا على أي مصلحة تناقضها.
إن مخاض تشكيل الحكومة هو مظهر من مظاهر هذا الصراع المضني ولو كان الوفاء للوطن يهدي جميع القوى السياسية لسهل التأليف.
أما طالما إستمرأ "فرسان" المحور الإيراني- السوري لعبة التمسك بحمل السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية والتهويل به في وجه التيارات السيادية لفرض نفوذهم المجيّر وهيمنتهم على مؤسسات ومرافق في الدولة، فإن الوفاق يصبح مستحيلاً لأنه يسقط لصالح مشروع توسيع الدويلة على مدى الدولة و الوطن.
إن إرتباط مجموعات لبنانية بعلاقات خاصة وطيبة مع بعض الدول يكون خيّراً إن جُيّرت هذه العلاقات لمصلحة الوطن.
أما رهن الوطن أرضاً وشعباً كرمى لخدمة مصالح رعاة على حسابهما فهو إستعباد.
إن معيار سلامة العلاقة بين الدول هو التعامل الندّي من خلال المؤسسات الرسمية.
أما قيام دولة بتجنيد مقيمين في بلد آخر وجعلهم "قاعدة" عسكرية غبّ أمرها فهو إنتهاك فاضح لسيادة هذا البلد مهما كانت التبريرات.
"الحرس الثوري" متقمّص وكامن في لبنان بإنتظار "نضج" ظروف بسط مشروعه وبين أذرعة النظام السوري "المخيمة" في لبنان ( الناعمة وحلوة وقوسايا) فصائل فلسطينية الهوية سورية الولاء يصف قائدها المطالبة بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية بالمطلب الإسرائيلي!
لقد أصبح التسيّب حقّاً مكتسباً ومقياساً للمقاومة!
"يتقبّل" حاملو مشروع "الدولة الفاضلة" النظام الحالي بـ"تقيّة" ويقولون أن على الآخرين تقبّل نظامهم متى مالت الغلبة العددية لمناصريهم.
فهل "الإجتهاد" لإنتاج هذه الغلبة بلوغاً للغاية النهائية هو هدف نبيل ومقبول من اللبنانيين؟
ما معنى الشراكة وكم تدوم إذا خطط شريك لتهميش وإزاحة بقية الشركاء؟ ما قيمة الشراكة إذا ضاق صدر فريق لبناني بتنوع المجتمع اللبناني وتميّز نظامه الواجب الوجود في موقعه؟
رغم أوزار الصراعات والأطماع على لبنان تبقى ألوان الأصالة في تنوع لبنان البشري كتنوع جماله الطبيعي وثماره الطيبة مصدر خير وإشعاع أغنى مجتمعه ومحيطه العربي والعالم، فهل من الحكمة جعل هذه النعمة نقمة وهذا النعيم جحيماً؟
شهداء الوطن يترقبون بشغف تبليغهم أن أرواحهم العزيزة سيّجت الوطن واحة وئام وسلام ورجاء وهناء لأهلهم فيطمئنوا. فمتى تُزفّ إليهم البشرى؟
* مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية