دأب الأقلية على تقسيم الأكثرية بين ضارّ وصالح ليس مسلكاً إيجابياً
الغلوّ في "التفاؤل" مدعاة للتشاؤم
ليس مسلكاً يوحي بالتفاؤل اجتماعُ قوى "الممانعة" داخلياً وإقليميّاً على الترويج لنظرة "تقسيميّة" للأكثريّة النيابيّة في لبنان وتصنيفها بين قسم صالح لعقد "تسويّة" وبين قسم لا تقوم أيّ "تسويّة" إلا على حسابه. فمثل هذه النظرة تعني أنّه ما زال هناك الكثير الذي ينبغي بذله في معشر قوى "الممانعة" المحليّة كما الإقليميّة لأجل الارتفاع إلى الثقافة السياسيّة المنفتحة على أفق التسوية والوفاق، انطلاقاً من الخروج من عنق الزجاجة في ما عنى الأزمة الحكوميّة.
فقوى "الممانعة" مطالبة منذ أربع سنوات بالعدول عن ثقافة "التخوين". وهي حين توقف تخوين قسم أساسيّ من الأكثرية فهذا يعدّ فأل خير. إلا أنّ قوى الممانعة عندما تنصرف لتخوين قسم آخر من الأكثرية في الوقت نفسه فأمر لا يعدّ إقلاعاً عن التخوين، بل انغماس فيه.
وقوى "الممانعة" مطالبة منذ أربع سنوات بالاعتراف بأنّ هناك وجهتي نظر تتعلّقان بسبيل إصلاح النظام السياسيّ اللبنانيّ. وجهة نظر تمثّله قوى "الممانعة" نفسها ومحورها فكرة مضمرة حيناً، ومجاهر بها حيناً آخر، ومفادها أنّ النظام السياسيّ اللبنانيّ لا تصطلح حاله إلا بتقبّله وصاية "منظومة السلاح" عليه أوّلاً، وباعتماده مبدأ "المشاركة المطلقة" في الشؤون الإداريّة واليوميّة "ما دون السلاح"، ثانياً. أما وجهة النظر الأخرى فتمثّلها قوى "الاستقلال الثانيّ" على نحو معبّر عنه بشكل يقلّ أو يزداد نسقيّة ووضوحاً، ومحورها فكرة أنّ النظام السياسيّ اللبنانيّ لا تصطلح حاله إلا بخروجه عن ولاية السلاح، وإعادة اكتشافه الصيغة الدستوريّة المعمول بها منذ إتفاق الطائف في ضوء فلسفة الميثاق الوطنيّ كما جدّدها الطائف نفسه، وعلى أساس مقولة "المناصفة الدائمة" بين المسلمين والمسيحيين.
ثمة إذاً جذر عميق للصراع السياسيّ في البلد، وهذا الأمر لا يمكن تغييبه بإظهار صراع فريق "الممانعة" مع قسم من الأكثريّة يعتمد فيه "التعنت" بدلاً من تظهير حقيقة التناقض بين الأكثرية الإستقلاليّة ككلّ والإقليّة "الممانعاتية" ككل. ومن أراد تجسير الهوّة بين الفريقين عليه أن يعترف بواقع اسمه الطرف الآخر، وبما يجمع كل أركان الطرف الآخر بصرف النظر عن التمايز فيما بينهم.
فالمسألة لم تكن يوماً مجرّد اعتراف "عددي" بالأكثرية. المسألة المركزية هي الاعتراف "القيميّ" بها كوجهة نظر يبنى على أساسها ائتلاف بين مجموعات لبنانية مختلفة وبإزاء مجموعات أخرى. أما المسلك المعتاد المتعلّق بترذيل فئة من الأكثرية والتحييد الظرفيّ لأخرى فهو مما أعتدناه من قبل "منظومة الممانعة" داخلياً وخارجياً، وهو ما لا يفيد التفاؤل بل يقف حجر عثرة دون المصارحة الحقيقيّة، ويقنّن حدود الاستفادة الداخليّة اللبنانيّة من المصالحات الإقليميّة إن قدّر لها أن تنطلق أو تتم.
والتفاؤل عموماً إنّما يكرّس حين يكون علاقة بين طرفين فصل بينهما ما يدعو الى التشاؤم في وقت سابق. لا يمكن أن يكون التفاؤل "أحاديّاً" ويبقى تفاؤلاً. كل تفاؤل "أحاديّ" هو بحدّ ذاته مدعاة للتوجّس والريبة، إن لم يكن للتشاؤم. كل تفاؤل "أحاديّ" يتحوّل إلى حجّة للتذاكي على الآخر، أو لمحاصرته، لمصادرة زمنه، وحريّة حركته، وقدرته على المبادرة والمجادلة. إنّ الغلوّ في التفاؤل من قبل طرف حيال طرف آخر لا يشاطره الدرجة نفسها من التفاؤل يتحوّل إلى وطأة على هذا الطرف الآخر، وإلى تكبيل له، وإلى عامل "منفّر".
كذلك فإن تقسيم طرف "الممانعة" للطرف الآخر "الأكثرية" بين من يشاطر خصمه السياسيّ "تفاؤله" وبين من لا يشاطر الخصم تفاؤله ليس بأمر فيه كثير عافية. وحتى لو صار التفاؤل مجازاً في المقبل من الأيّام فإنّه من المؤكّد أنّ الثقافة السياسيّة السائدة في معشر "قوى الممانعة" إقليمياً، وضمناً "قوى 8 آذار" داخلياً ليست بالثقافة القادرة على تأصيل وإسناد المنحى التفاؤليّ، أو تخصيبه بجعله علاقة متكافئة من ترميم الثقة بين منظومتين لكلّ منهما وجهة نظر مختلفة عن الأخرى.