#adsense

نعيش أزمة إنسان وأخلاق وليس أزمة حكم او نظام

حجم الخط

نعيش أزمة إنسان وأخلاق وليس أزمة حكم او نظام 

رحم الله ايام المكتب الثاني وتقنية «الدكتيلو» التي اشتهرت في اعوام الستينات من القرن الماضي، عندما كان المكتب الثاني يريد تسريب خبرية، او احراج احد السياسيين او توجيه رسالة ما تخدم رئيس الجمهورية وحكومته، والترحّم على «دكتيلو» المكتب الثاني اصبح مشروعا بعد التركيبة الاعلامية السياسية الامنية التي اوجدها النظام الامني السوري – اللبناني في بداية التسعينات، والتي تفوّقت على دكتيلو المكتب الثاني باشواط نظراً لتعدد مهامها واتساع رقعتها، وتحديث تقنياتها، واستيعابها لعدد كبير من رجال السياسة والاعلام والدين والضباط والمال، وبعد خروج السوريين من لبنان في العام 2005، دخلت هذه التركيبة في سبات موقت، تمهيداً لاعادة تنظيم ذاتها، وقراءة الواقع المستجّد جيداً، وادخال دم جديد ووجوه جديدة الى التركيبة، تحضيراً للعودة بقوّة الى الساحة اللبنانية عند اول اشارة ضعف من قوى 14 آذار، خصوصاً بعدما بدأت هذه القوى تتعرّض في الكمائن التي نصبت لها، الى ضغوطات قوية حدّت من اندفاعاتها، وفقدت احياناً توازنها بعدما استشهد عدد كبير من قياداتها، وكانت هذه التركيبة حاضرة وجاهزة ومدّعمة بتغطية غير محدودة من قوى واحزاب 8 آذار، ولاحقاً انضم الى هذه القوى والاحزاب التيار الوطني الحرّ ما شكّل قوة اضافية لها، وساعد التيار بارادته او دون ان يدري، بانتعاش عمل هذه التركيبة التي اعتمدت في عملها على آلة اعلامية ضخمة تمثلت بمحطات تلفزيونية واذاعية عديدة، وصحف ومجلات قديمة وجديدة.

لم تخف هذه التركيبة هدفها الاساس، وهو تمزيق تكتل 14 آذار المتعدد المتنوّع المشكّل من تيارات واحزاب وشخصيات تختلف عن بعضها بعضاً بالعقيدة والتوجّه والممارسة بما يسهل دق اسافين في تضامنها القائم على الدعوة الى قيام الدولة القوية، والتمسك باتفاق الطائف، وقد نجحت نجاحاً جزئياً في هذا الهدف، بابتعاد النائب وليد جنبلاط عن 14آذار، والاكتفاء بتحالفه مع الرئيس المكلف سعد الحريري لاسباب اقنعت البعض ولم تقنع البعض الآخر من قوى 14 آذار وحتى من قسم كبير من مناصريه ومحازبيه.

هدف «الدكتيلو» الجديدة في هذه الايام، زعزعة التفاهم والتعاون والتحالف القائم بين تيار المستقبل وحزبي القوات اللبنانية والكتائب، وزعزعة الوحدة في الهدف والعقيدة والتاريخ المشترك والمصير الواحد بين القوات والكتائب، والعمل في سبيل هذين الهدفين قائم على قدم وساق، ومن يتابع التصريحات والتسريبات والاتهامات والشائعات التي تصدر دفعة واحدة وباسلوب واحد من عدد كبير من ابواق هذه التركيبة، يلمس مدى الاصرار على زرع البلبلة والخلافات والهواجس، بين ابناء الصف الواحد والتكتل الواحد.

***
التركيز اليوم، الذي يملأ اعلام التركيبة الامنية المخابراتية الاعلامية، يدور حول اتهام حزبي الكتائب والقوات اللبنانية وبعض الشخصيات المسيحية في 14 آذار، بانهم حصان اميركا داخل الاكثرية، وانهم من يعوقون تشكيل حكومة سعد الحريري الاولى، وانهم يعملون على بقاء التوتر مسيطراً على الساحة السياسية، وان حزب القوات يعيد تنظيم جهازه الامني وان قواتيين يتم تدريبهم في منطقة زحلة وان شاحنة سلاح كانت تتوجه الى معراب الى اخر هذه المعزوفة التي تذكّر اللبنانيين بالاتهامات والشائعات التي كانت تتناول رئىس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع قبل اعتقاله في العام 1994 وحلّ الحزب ومطاردة الاف القواتيين وسجن جعجع والتي تبين في ما بعد زيفها وعدم صحتها وتلفيقها من قبل التركيبة «الفوبلزية» ايّاها.

***
في خضم هذه الاجواء المشحونة بالحقد والكذب يتساءل المرء بحسرة وألم عن اسباب تدني الخطاب السياسي الى هذا الدرك في لبنان والاسباب غير المعروفة سابقا والتي بدأت تحديدا منذ عشرين سنة حين تحوّل الخلاف السياسي بين حزب وحزب وشخص وشخص الى عداء شخصي، والعداء بين الاشخاص كما هو معروف يتحول في غالب الاحيان الى العنف في جميع اشكاله فتسقط المحرّمات وتهان المقامات ويتم اللجوء الى استخدام القوة والسلاح كما حدث في جميع اعوام التسعينات وتجاوز جميع الحدود منذ بداية الالفية الثانية وحتى اليوم.
امور غريبة عن عاداتنا وتقاليدنا وتراثنا حصلت في مجتمعنا اللبناني وامتدت الى كل مكان سياسيا وتربويا وقضائىا وثقافيا وانسانيا وكأننا عدنا الى عهود الجاهلية والانحطاط، ودخلنا في ازمة انسان واخلاق وليس ازمة حكم او نظام.

المصدر:
الديار

خبر عاجل