مساعٍ سعودية لمصالحة مصرية – سورية تتوّج بقمة ثلاثية
الحريري يزور دمشق رئيساً للحكومة "وليس قبل التأليف"
ثمة عبارة تتردد في الاوساط الاعلامية لدى انعقاد مؤتمرات القمة العربية وهي ان لا قمة بلا السعودية او مصر، وكذلك سوريا. واذا عقد اجتماع ثلاثي على هامش اية قمة عربية يقال: هنا تعقد القمة الحقيقية. وعندما يغادر الوفد السعودي او المصري او السوري فذلك يعني ان القمة شارفت نهايتها. واذا غادرت الوفود الثلاثة في الوقت نفسه يقال: انتهت القمة.
وتتميز المملكة العربية السعودية بدور اساسي ومحوري على المستويين الاقليمي والدولي، نظرا الى ثقلها العربي عموما والخليجي خصوصا، فدول الخليج عادة تراعي الموقف السعودي وتلتزمه، وحتى في حالات الدعم المالي لاية دولة، يعتبر الرقم الذي تضعه السعودية هو السقف. ويتكامل هذا الدور السعودي ويصبح اكثر فاعلية وتأثيرا بعلاقات جيدة مع مصر – ولا مشكلة بين الرياض والقاهرة –، وكذلك مع سوريا حيث بلغت العلاقات بين الرياض ودمشق في السنوات الاخيرة اقصى درجات التأزم ووصلت الى حد سحب السفراء. من هنا تأتي اهمية القمة السعودية – السورية بعد طول انقطاع وجفاء وتأزم في العلاقات لم يوضع حد له الا بعد المبادرة التي اطلقها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز خلال قمة الكويت الاقتصادية في 19 كانون الثاني في اتجاه الرئيس السوري بشار الاسد وشكلت بداية مصالحة بين الرياض ودمشق، واستكملت بزيارة مفاجئة للرئيس السوري لجدة الاسبوع الماضي تلبية لدعوة سعودية للمشاركة شخصيا في افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في بادرة رد عليها العاهل السعودي باعلان عزمه تلبية دعوة رسمية لزيارة سوريا.
ولبنان معني اكثر من اي وقت بالمصالحة السعودية – السورية، اقله بالنظر الى الانعكاسات السلبية التي "حصدها" نتيجة الخلاف بين دمشق والرياض، ولم يكن آخرها تعثر تأليف الحكومة في لبنان. وليس سرا ان الوضع في لبنان من جوانبه المختلفة، يشكل بندا اساسيا في جدول اعمال القمة السعودية – السورية. وبدا لافتا انه بمجرد الاعلان عن هذه القمة، بل منذ زيارة الرئيس السوري لجدة، انقلبت الاجواء رأسا على عقب، من سلبية تشاؤمية، الى ايجابية تفاؤلية بعدما كادت المساعي التي يبذلها الرئيس المكلف سعد الحريري لتأليف الحكومة ان تصل الى طريق مسدود، نتيجة الشروط والتجاذبات المحلية والعراقيل التي كانت تزداد حدة كلما تصاعدت الضغوط الاقليمية والدولية، وتعثر الحوار الاميركي – السوري او الاميركي – الايراني او السعودي – المصري – السوري، فينعكس تأزما في لبنان.
ولئن يكن الوضع الحكومي هو عنوان اللحظة السياسية الراهنة، فان لبنان، تاريخيا، كان ولا يزال معنيا بالتقارب السعودي – السوري – العربي عموما، ومنذ وقوف المملكة العربية السعودية مع سوريا ومصر في تحالف مضاد لحلف بغداد عام 1955، وكذلك عندما التقت دمشق والرياض في المشاركة في التحالف لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي مطلع عام 1991. ولولا التفاهم السعودي – السوري من جهة، والاميركي من جهة اخرى، لما كان اتفاق الطائف ولما كان الدستور اللبناني الجديد الذي وضع حدا للحروب المتتالية عام 1990. ومن هنا تأتي المعادلة التي يرسمها بعضهم، اذ يرى ان العلاقة السعودية – السورية اساسية واستراتيجية ومهمة لحماية لبنان واتفاق الطائف والاستقرار بشكل عام.
وفي موازاة التقارب السعودي – السوري، ثمة مساع سعودية لتحقيق مصالحة مصرية – سورية، ولبنان معني بالتأكيد بهذه المصالحة التي تكرس عودة المثلث السعودي – المصري – السوري وتفعيل دوره على المستوى العربي والاقليمي والدولي.
وحول احتمال دخول اميركي على خط المصالحات العربية والتأثير سلبا عليها، يلفت الوزير غازي العريضي الذي زار السعودية اكثر من مرة في الفترة الاخيرة الى انه "عندما رعى الملك عبدالله بن عبد العزيز اتفاق مكة بين الفصائل الفلسطينية عام 2007 لم ينتظر اذنا من الادارة الاميركية التي كانت ضد هذا الاتفاق. وعندما خاطب القمة العربية من الرياض متحدثا عن احتلال العراق لم يكن هذا موقف الادارة الاميركية ولم يستأذن احدا ليقوله. وعندما اتخذ مبادرته الشجاعة في الكويت لم يطلب اذنا من احد. وفي المدة الاخيرة طرح كثيرون هذا السؤال معتبرين ان العلاقات السعودية – السورية لم تتطور رغم زيارات متبادلة لوفود سعودية وسورية، ومع ذلك رأينا الرئيس الاسد في جدة، وسنرى الملك عبدالله في دمشق. ونحن نرى ما يجري، ثمة غليان في المنطقة، في العراق واليمن وفلسطين. وهجمة اسرائيلية جديدة نحو مزيد من الاستيطان وغض طرف اميركي، واعتداءات اسرائيلية متواصلة بلغت حد اقتحام المسجد الاقصى. كلها عوامل تزيد من اهمية تدعيم الصف العربي بدءا من القمة السعودية – السورية".
واذا نجحت المساعي السعودية، فان الخطوة المقبلة بعد القمة السعودية – السورية، يفترض ان تكون مصالحة مصرية – سورية. ويحكى عن مشروع قمة ثلاثية مصرية – سعودية – سورية تكرس هذه المصالحة.
اما على الصعيد اللبناني، وبعد تأليف الحكومة، من المتوقع ان تتكثف المساعي الهادفة الى مصالحة بين الرئيس المكلف سعد الحريري ودمشق، بمسعى سعودي. واما احتمال قيام الحريري بزيارة مفاجئة للعاصمة السورية او خلال انعقاد القمة السعودية – السورية فأمر "غير مطروح" وفق مصادر مواكبة لعملية تأليف الحكومة. وتقول هذه المصادر ان الرئيس المكلف يزور سوريا بصفته رئيسا للحكومة اللبنانية وبالتأكيد بعد تأليف الحكومة".
وحول التقارب السعودي – السوري تقول مصادر بارزة في "كتلة المستقبل" النيابية: "في المطلق نحن مع اي تقارب عربي لمواجهة الاخطار التي تهدد المنطقة وفي طليعتها التهديدات الاسرائيلية المستمرة، ولحماية لبنان والمنطقة العربية من ارتدادات محتملة للنزاع الدولي مع ايران".
وحول انعكاس هذا التقارب على تأليف الحكومة تقول المصادر نفسها: "اذا ساهم التقارب السعودي – السوري في تأليف الحكومة في لبنان فـ"خير وبركة" ولكن نحن نتصرف على اساس ان الحكومة تؤلف في لبنان ونسعى ونعمل على هذا الاساس".
واذا قيل لهذه المصادر ان في هذا الكلام شيئا من المكابرة وتجاهلا لتأثير تطور العلاقات السعودية – السورية على لبنان تجيب: "هذا هو موقفنا".