بين الحادث والإشاعة
عندما قال سعيد تقي الدين إذا أردت أن تقتل شخصاً أطلق عليه إشاعة، كانت الدوائر تدور حول قصر القنطاري وساكنه الرئيس كميل شمعون.
وكانت الاشاعات حول التجديد والدور الأميركي وحلف بغداد على كل شفة ولسان.
وكالعادة، كان المايسترو من خارج والعازفون والكورس من داخل.
ولا داعي للتذكير بالاسماء والتفاصيل، فالمخضرمون عندهم الخبر اليقين.
في ذلك الحين كان لبنان يتهيَّأ، أو يهيئونه للدخول في الحائط، وفي تجربة قاسية أدَّت الى ثورة حمراء صيف 1958، لكنها لم تتمكَّن من المضي في محاولة فسخ الولد والبلد لان "بازاراً" "تمّ التوصُّل اليه بين الرئيس جمال عبد الناصر وواشنطن قضى بوقف "الثورة" وانتخاب اللواء الأمير فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.
فانتهت تلك الحقبة التي كانت "المرشد الصامت" ودليل الطامعين والمغامرين في ما بعد، وتلملمت الإشاعات، كما اختفت تلك الأشباح التي كانت توزٍّع "الإشاعات الأمنيَّة" في طول البلاد وعرضها…
لو كان الشيخ الرفيق حاضراً بيننا اليوم، لما تردَّد في القول: اذا أردت أن تقتل بلداً روٍّج اشاعة بين شعوبه المتنافرة.
منذ انتهاء الانتخابات النيابية وتكليف زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري تشكيل الحكومة وفبركة الإشاعات والبلبلة في أوجّ نشاطها.
وقد انضمَّت اليها في الأيام الأخيرة موجة من الخروقات الأمنيَّة المتنقٍّلة و"المدروسة"، والتي تستطيع أن تنقل رسائل محدَّدة الأوصاف والغايات الى الجهَّات المعنيَّة.
آخر ما أجادت به هذه "الموجة" حادث عين الرمَّانة اول من أمس، وعلى كتف منطقة الشيَّاح، حيث لا تزال ذاكرة المكان حافلة بالحوادث والمشاهد والاضطرابات التي ساهمت في إشعال فتيل حرب السنتين، وفتح شهيَّة حروب الآخرين على تجربة حظٍّها.
وقع هذا الحادث المفاجئ. والذي يُقرأ كالمكتوب من عنوانه، فيما تنهمك حكومة تصريف الأعمال، ومعها كبار المسؤولين والأجهزة الأمنيَّة فضلاً عن وسائل الاعلام والسياسيين، في البحث عن الحقيقة والدوافع.
وخصوصاً بالنسبة الى خبريَّة دخول "ارهابيين خليجيين" الاراضي اللبنانية، وانتشارهم في الأمكنة التي يؤمها السيّاح.
واضح من عيّنات الاشاعات والحوادث، التي زارت البقاع والشمال أيضاً، أن العوامل والدوافع لم يتغيَّر حرفُ منها، ولا تزال كذاك المريب تكاد تقول خذوني.
ودائماً، ومنذ صيف الثورة الحمراء، المايسترو من خارج والاوركسترا من داخل.
ودائماً في صلب الأهداف زعزعة الاستقرار وتوجيه الرسائل المرمَّزة، والتي بات جميع اللبنانيين على خبرة واسعة في فكٍّ رموزها.
عندما يحصل هذا "الارتجاج" المدبَّر قبل ساعات من لقاء الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد، والذي يعلٍّق عليه اللبنانيّون آمالاً واسعة، وينتظرون منه ما يفوق أهمية المنَّ والسلوى، فانما يصبح من السهل قراءة الرسائل وتفسير الحوادث والاشاعات.
لكن ذلك كله لن يحول دون "ايجاد" السبل المناسبة لانجاز تأليف الحكومة… بتشجيع فعَّال من هذا اللقاء.